“1968”.. الروائي بين مطرقة الحكي وسندان الحياة !

نحدجد

إبراهيم عادل
يقدم الروائي المصري “أسامة حبشي” في روايته (1968) الصادرة مؤخرًا عن “دار العين” عالمًا روائيًا ملتبسًا، يحاول “السارد/الراوي” فيه أن يحكي حكايته، ولكن الأمر يتعذر عليه، فيدور حول “الرواية” أملاً في الوصول إلى “حكاية” أخرى، يقدِّم للقارئ فيها نفسه، مستسلمًا لمصيره، معترفًا بتقصيره بل وفشله أحيانًا، رغم أن “الحكاية” حاضرة بشخصياتها وأحداثها، كما يتعرف عليها القارئ ولكن شيئًا ما يجعل الراوي في حيرة تجعله غير قادر على كتابة روايته، بل وتدخل معه رغمًا عنه حكاياته الشخصية، فنتعرف من خلاله على رواية داخل الرواية، وأسئلة مستمرة تطرحها الرواية حول الحياة والموت والكتابة والخلود!
1968 .. الروائي بين مطرقة الحكي وسندان الحياة!
(الإهداء أمرٌ صعبٌ يا صديقي/ فقل لي لمن أهدي هذياني/ وكل الذين أحبهم رحلوا؟!
لذا سأهديه إلى الله/ لعله يرجع الأصابع الخمسة لنرجس/ أو لعله يكون رحيمًا مع الأحبة هناك!
وأقول -بعلو الصوت- صارخًا للموت: صباح الخير .. أين أنت؟/ كي تصحبني للأحبّة/
أمي .. أبي .. جدتي .. خوان رولفو .. دستويفيسكي.. مالك حداد .. الطيب صالح، فأهذي معهم ويهذون معي على راحتهم.)
هكذا تبدأ الرواية بهذا الإهداء الشاعري للراحلين، وهي عتبةُ هامة يبرز فيها النص محتفيًا -منذ البداية- بالراحلين وهؤلاء الكتّاب الذين غيبهم الموت، ولا شك أن اختيار الكاتب لهؤلاء تحديدًا له دلالته، لاسيما إذا تذكرنا أن واحدة من أهم روايات “خوان رولفو” (بيدرو بارامو) كانت تدور في عالم الأموات! أمّا “دستويفيسكي” فسيأتي ذكر روايته (الأبله) بشكلٍ مباشر في الرواية، حيث يرغب الراوي في أن يغيَّر في حكايته ليرويها من وجهة نظر “روجين” وليس الأمير “ميشكين”، ولا يكتفي “أسامة حبشي” بعتبة الإهداء تلك، بل يقدِم للرواية بأربعة مقاطع من “ريلكه” و”نادين جورديمر” و”أليف شافاق” و”كازانتزاكيس” تدور كلها حول معاني “الرحيل” وسؤال الكتابة.
(لا أظنني سأصبح أديبة حقيقية، وهو أمرٌ لا بأس به في الوقت الراهن، لقد بلغت من العمر ما يجعلني راضيةً عن نقاط ضعفي وعن إخفاقاتي، ولكن يتعيَّن عليَّ أن أحكي الحكاية وإن لشخصٍ واحد، وعليَّ أن أرسلها إلى ركنٍ من أركان الكون، حيث يمكنها أن تطفو بعيدًا في حرية) أليف شافاق – من رواية شرف.
كل هذه المقدمات تهيئ القارئ لمناخٍ خاص يتلقى فيه تلك الرواية التي تبدو مختلفة كثيرًا، حيث مساحات التجريب واسعة، وحيث مشاركة “القارئ” للكاتب أو السارد متحققة أكثر من مرة، إذ يخاطبه الراوي، ويتساءل معه وكأنه يجعله شريكًا له في الكتابة/ الحياة، ليجد القارئ نفسه متورطًا في الحكاية مشاركًا فيها متأملاً العالم من منظور الراوي الذي يعبِّر طوال الوقت عن أزمته الخاصة في “الكتابة” أولاً، ثم في التعامل مع الحياة بعد أن غدا كاتبًا وأديبًا.
من أين تبدأ الحكاية؟!
تبدأ بأربعة مقاطع قصيرة تبدو كالهذيان، يسرد فيها الراوي مشكلته ويحكي أطرافًا من مأساته التي أوصلته إلى تلك الحالة التي يُرثى لها، ولا يستطيع الفكاك منها:
(لا أدري كم مر عليً في هذا الوضع؟ ربما عام أو أعوام .. لا أعلم، تضع لي أختي الطعام أمام غرفتي.. في البداية كانت تطرق الباب، فأجيبها لتتأكد أني مازلت حيًا، فتحمد الله وتمارس حياتها الطبيعية بباقي البيت، ولكن تبدلت الحال وصارت لا تطرق الباب بعدما يئست من البحث عن صوتي التائه خلف الباب المغلق دائمًا..
كل شيءٍ حولي تحوَّل إلى جحيم بعدما كان اسمي يملأ السمع والأبصار، أنا هنا الآن بين جدرانٍ أربعة وسقفٍ أشعر بوقوعه على قلبي بين لحظةٍ وأخرى .. أنا كاتب رواية حالفه الحظ واشتهرت، وعاش على حافة الشهرة سنوات لا يفعل شيئًا سوى ممارسة الغرور والتعالي على الآخرين، وعندما شعر باليتم في الكتابة قرر كتابة رواية أخرى ولكنه لم يستطع إلى الآن، رغم كل المحاولات التي لا تتوقف، وهو الآن سجينٌ في غرفة، يعاني من هذيان وتخبط وإحباط واكتئاب حاد!).
يبدو الأمر قريبًا من (قفلة الكاتب) الشهيرة إذَا (The writer’s block) تلك التي وصفها “المخزنجي” بأنها “تلك الحالة التي يفقد فيها الكاتب قدرته علي الكتابة والرغبة فيها. يغدو الوجود لديه بلا معني، ويكون ضعيفًا.. أضعف ما يكون، ويصير انزواؤه فيما يشبه الصندوق المحكم نوعًا من الكُمُون الواقي، يتحاشى مواجهة العالم بمثل هذه الدرجة المبرحة من الضعف، ويأمل أن تعود روحه إلي انتفاضها في مثل هذه السكينة والهدأة”.ولكن السارد في محاولته التغلب على تلك “الحالة” يبدو قادرًا على خلق عالم آخر، وكتابة روايةٍ أخرى بدلاً عن الرواية التي تطارده ويود أن يكتبها بإصرار وهي رواية 1968، يجد القارئ نفسه فجأة متلبسًا بخيوط رواية أخرى، هي رواية أو حكاية ذلك الكاتب، تلك الحكاية الثرية ذات الشخصيات الاستثنائية أيضًا والتفاصيل الغريبة، عائلة السارد الصغيرة بدءًا بأخته “نرجس” التي تقوم على خدمته بينما تفقد أصابعها الخمسة، مرورًا بأمه “عبدة الدار” وحكايتها العجيبة مع اسمها ومع أبيها الذي سمّاها بذلك الاسم انتقامًا من كونها بنتًا، ثم حكاية أبيه الذي يطارد جنيًة مجهولة حتى يموت، وصولاً إلى لحظة “التنوير” في النص، حيث يسلِّم السارد للقارئ مفاتيح حكايته، بأن يذكر حكاية “عبد الله سرور البحر” خادم مقام “ابن الفارض” الذي كان قريبًا من بيتهم في “الإباجية” والذي رأى عنده “شهد” فتاة الليل التي قرر أن يكتب حكايتها، ولكن الحكاية تفلت من بين يديه!
(روايتي ليست سياسية، ولا تتحدث عن حلم طلاب العلم أجمع حيث حركة الطلاب في العالم عام 1968، ولا هي رواية عن النكسة، ولكن 1968 كانت رحلة داخل الحلم المدفون لدى شخوص روايتي، وتحديدًا بطلتها “شهد” فتاة الليل التي تترك عملها وتغوص في الصوفية، وعبد الله أو “سرور البحر” كما تلقبه زوجته، والمقطع الخاص بالزعيم “جمال عبد الناصر” كان نقطة انطلاق “عبد الله” نحو رحلته الأبدية في العشق..)
هكذا يسلّم الراوي “فكرة” الرواية وشخصياتها للقارئ، ببساطة، وكأنه يتخلّص منها، ليدور بعد ذلك حول علاقته بالرواية وأبطالها، ويدور حول حكايته الشخصية المؤرقة، ورحلته مع الكتابة وموقفه من الحياة، موظفًا كل تلك الشخصيات في مكانها الذي يناسبها والذي يخدم الكتابة وخط سير الرواية بشكلٍ أناني يفصح عنه أكثر من مرة بوضوح.
(حكيت لنرجس عن رواية 1968 وكانت متعاطفة جدًا مع “شهد” بطلة الرواية، أكثر من تعاطفها مع “عبد الله”، وكانت ترى أني يجب أن أبدأ الرواية “بشهد” وكان كلام “نرجس” يراودني لفعل ذلك، ولا أدري لماذا لم يحدث ذلك إلى الآن؟! ربما سيحدث.. من يعلم بواطن الأمور غير الله أيها القارئ؟!)
(نرجس لم تكن ناقدة أدبية أو قارئة نهمة، ولكني كنت أستغلها بهدف إرضاء غروري، فقد كنت أحضر لها نسخة من كل جريدة بها حوار معي أو قصة لي، وهكذا الحال مع كل كتاب جديد لي، كنت أضعه بين يديها وأنتظر منها كلمات الإطراء، كانت تدعو لي دومًا بدوام التوفيق..)
يطرح الراوي كذلك في الرواية موقفه كما بدا واضحًا من الكتابة وعصف الذكريات، ورؤيته لعلاقة الكتابة بالحياة وما يفترض أن يكون دور المثقف فيها، فيتعرض في فصلٍ خاص إلى الموقف من المثقفين الذين يراهم “قتلة”:
(أدخلتني الكتابة عالم القتل الخفي، عالم القتل السري، أدخلتني دائرة المثقفين…)
ويرى نفسه بكتابته أصبح واحدًا منهم، يرثي حاله ويعرض حالهم، متسائلاً أين ذهب “المثقف الحقيقي” الذي تحدث عنه “إدوارد سعيد”، ذلك المثقف الذي يفترض أن يكون ممثلاً للمسكوت عنه، ويكون مصيره التجاهل أو النسيان، لأنه لا يمثل أحدًا، بل يمثل مبادئ كونية مشتركة لا يتنازل عنها، وهو يمثل نبض الجماهير ولا يقبل أبدًا بأنصاف الحلول!
كذلك يتعرض لرؤيته الخاصة للموت، وأسئلته حوله:
(ربما كان الموت طفلاً سيئ الحظ، وعندما كبر صار منتقمًا كحال كل الأشرار في الأساطير، ربما كان الموت أنثى كحال “شهرزاد”، وعندما حانت لها فرصة الانتقام أخذت العاطل بالباطل فصارت رغبتها بالفناء تطال الشباب والشيوخ والأطفال سواءً كانوا ذكورًا أم إناثًا.
الموت: هل هو نومة طويلة كما تقول كل الأديان؟ أم هو كما أقول عنه سبب كافٍ لبكاء الجميع؟ هل الموت ضرورة اجتماعية لم ينتبه لها “ابن خلدون”؟ ولماذا لم يقدر على فك رموزه كل علماء النفس والفلاسفة؟ وحدهم الصوفيون رأوه رحلة تجاه المحبوب…)
يبدأ السارد فصلاً بهذه المقدمة التأملية للموت لينقل القارئ من خلالها إلى حكاية من حكايات الرواية في سلاسة ويسر، حيث يرى أحد أبطال الرواية “سلطان موج البحر” متورطًا في الحب الذي يقوده إلى الموت!
وهكذا على الرغم من قصر حجم الرواية 120 صفحة، إلا أنها تأتي مشحونة بأسئلة الكتابة والوجود، زاخرة بالشخصيات والحكايات التي يمكن أن يُبنى من خلالها عمل روائي كبير، لا يمكن الإلمام به في قراءةٍ واحدة، بل يتسع لأكثر من قراءة وأكثر من تأويل، آثر الكاتب أن يكثَّف حكاياته تلك كلها في “نوفيلا” تجعل القارئ شريكًا في تلقيها كما كان شريكًا في كتابتها، وهو ما يشير إلى قدرة “أسامة حبشي” الفريدة على سرد العالم والانطلاق بحكاياته من الخاص إلى العام، وكتابة رواية متميزة تمسك بتلابيب القارئ حتى ينتهي منها، ولكن أسئلتها تظل حاضرة على الدوام!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.