التوافقية السياسية مرض ما بعد 2003

التوافقية السياسية، هذا المصطلح المنحوت من تجربتنا السياسية المرتبكة، والذي إستطاع سلب الديمقراطية معناها الحقيقي، بل وتمكن من إبتلاعها، أو على الأقل وأدها بالمهد، توصل شعبنا أخيرا، الى أنه السبب الرئيس في آلامنا المستجدة، التي أضفناها الى الحمل الثقيل الذي كنا نحمله قبل 2003، وها قد حان الوقت لطرح هذا الحمل أرضا، والتخلص منه ومن التقرحات التي سببها طول أمد الحمل، على مدى يزيد عن إثني عشر عاما، هي عمر تجربتنا السياسية الجديدة..

بعيد التغيير النيساني الكبير في 2003؛ لم يكن بيدنا من وسيلة لبناء حياة سياسية سليمة، فقد كنا واقعين تحت ضغط الإحتلال الأمريكي الهائل،وتأثيرات العوامل الأقليمية والتوازنات المحلية، وهكذا أبتكرنا أو أبتُكرت لنا جملة من المصطلحات السياسية، المفصلة على مقاس من إبتكرها: المشاركة السياسية،الشراكة السياسية، المحاصصة السياسية، التوافقية السياسية، وكلها مصطلحات تعني شيئا واحدا، هو الإلتفاف على الديمقراطية، والسير في مسارات مخالفة لإراداتنا، التي تمثلها نتائج الأنتخابات.

لقد أكتشف شعبنا بعد أن قدم تضحيات جساماً، أن التوافقية السياسية هي بالحقيقة، قفازات حريرية يرتديها لصوص السياسة، الذين سرقوا أحلامنا بديمقراطية حقة، نعرف فيها أين يذهب صوتنا!

ولأن اللصوص لا يتورعون عن قتل ضحاياهم إذا ما تعرفوا عليهم، أو إذا سقطت أقنعتهم عن غفلة منهم، فإن هؤلاء اللصوص إنغمسوا بلعبة الدم، فتلطخت أيديهم بدمائنا، وها هي أيامنا تسير على وقع عوائد الدماء.

إن الديمقراطية التوافقية، وهم إستطاع الساسة تمريره علينا، لأنهم كانوا يلبسون قفازات التوافق الذي تحدثنا عنه، قد حان الوقت لأن نغادر هذا الوهم، ونعيش حياتنا كما نحن!

إن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها، أننا شعب معبأ بالإختلاف، وليس بالضرورة تصور أن الإختلاف حالة سيئة، كما لا ينبغي أن تترتب للمختلين إستحقاقات فوق إستحقاق المواطنة، بل أن في الإختلاف جوانب مشرقة أكثر من الزوايا المظلمة.

التوافقية هي الديمقراطية العرجاء، أو ديكتاتورية القوى والمكونات الأقل حجما، على القوى الكبرى، وهي أيضا لا تسمح بالمشاركة ولا بأخذ الرأي، إلاّ إذا كان الرأي متوافقاً عليه!

التوافق عملية معقدة جدا، لا تتم إلا بتنازلات متبادلة، بها رابح وبها خاسر، لكن الخاسر الأكبر في لعبة التوافق هو الشعب.

الرأي التوافقي يتماشى مع مصالح القوى السياسية النافذة، التي أسمتها المرجعية الدينية أحزاب السلطة وهو يلبي نفوذها الذي لا تقبل بالإرادة الشعبية، إلا إذا وافق هواها، وإذا كنا قد أبتلينا قبل 2003 بديكتاتورية مجرمة، فإننا بعد ذلك العام أصبنا بداء التوافق السياسي، الذي يحتاج الى سلسلة من العمليات الجراحية الكبرى، كي يتخلص منه جسدنا المثخن بالجراح!

كلام قبل السلام: التوافقية يجب أن نشيح بوجوهنا عنها، لأنها ظلامية وعودة إلى عصور الإقطاع؛ حيث يتعين على أبناء العشيرة، قبول رأي الشيخ وإحترامه، حتى ولو كان على خطأ!

سلام….

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.