كان ينادي «لبيك يا حسين» كعاشق يرجو اللحاق بحبيبه ..الشهيد أرفد الحميداوي سطر موقفاً بطولياً على صفحات التاريخ بدمه الطاهر

فغ كدجحدحج

لا ينال الشهادة إلاّ من كان ذا حظٍّ عظيم، ممن أحاطهم الله بعنايته ورعايته، واختار لهم طريق الشهادة المعفَّر بالدم الطاهر الزكي، وفضلاً على المنزلة الرفيعة التي هيأها الله للشهداء من عباده، فقد كرّمهم شرع الله العزيز الحكيم، بدفن الشهيد من دون الحاجة إلى التغسيل ولا التكفين، بل يمكن دفنه بدمه وملابسه التي استشهد بها؛ لتكون شاهداً له على قاتله يوم الحساب، يوم يقف وقاتله بين يدي الحاكم العادل ليقتصَّ من الظالم للمظلوم. الشهيد أرفد محسن الحميداوي .. رفض فرصة للاحتراف في كرة القدم مفضلا عليها الجهاد ومحاربة الاحتلال .. وكان يقبّل يدي وقدمي والديه في كل يوم.
شجاع و خلوق
أخ الشهيد أرفد تحدث لنا عنه فقال: الشهيد هو من مواليد عام 1979 وكان معروفا منذ طفولته وبين أصدقائه وزملائه بشجاعته وله مواقف تشهد له على ذلك، وكان معروفا بالإيثار والشجاعة حيث لم يكن يهتز أو يضعف عند الشدائد والملمات، وأما من حيث أخلاقه فقد كان مثالا لأصدقائه وأقرانه، وتميّز بأخلاقه والتزم في مدة مبكرة من حياته بالصلاة والصيام ومما زاده في الالتزام والتعلق بالله سبحانه وتعالى، هي فترة ما بعد سقوط الطاغية فاتجه إلى هذا الخط المبارك في كتائب حزب الله، فكانت أول عملية تنفذ ضد الاحتلال باسمه وآخر عملية ضدهم كان مشاركا فيها، وكانت عنده ملكة الشجاعة وبشهادة الكثير من الحركات التي كانت تقارع النظام الدكتاتوري. وكان يحسب الوقت بينه وبين الله سبحانه وتعالى بهمة، ولم أعلم بذهابه للجهاد دفاعا عن السيدة زينب (ع) إلا بعد شهر من ذهابه، وكنت قد اتصلت به قبل ليلة من استشهاده وسألته عن نفسه فقال: أني بخير وأن الله سبحانه وتعالى هو الحافظ. وكانت هذه آخر كلماته، وقد كان لاستشهاده أثر كبير عليّ. فمن جانب هو نال الشهادة وهذه يفرح بها الانسان لأنه في جنات الخلد، وفي الوقت نفسه هي واقعة ثقيلة جدا؛ إذ شعرت بانكسار ظهري على فقده لأنه لم يكن مجرد أخ، إذ وصل بأخلاقه الى مرحلة أنه كان يقبل يدي والديه وكذلك يقبل يدي، وقد نقل لنا عدد من إخوانه المجاهدين عن بطولاته وكيف أنه واجه العدو بشجاعة فائقة حتى يروى أنه ضرب الدواعش ضربة قاصمة ورفض الانسحاب، وأغلق أجهزته فواصل المسيرة حتى رفع الراية على التلال. وأذكر أنه وقبل ذهابه للجهاد بشهر جلس معي وقال أني رأيت رؤيا ليلة أمس وكأني أمشي في بستان مثمر وطبيعة جميلة لم أر مثلها في حياتي فأخذت أمشي وسمعت صوت امرأة تنادي علي باسمي فتلفت فلم أرها. وقبل أن أخرج من ذلك البستان نادتني وقالت تأخرت عليّ فالتفت فإذا بي أراها بنتا بالغة الجمال فقلت لها من أنت فقالت أنا زوجتك من الحور العين في الجنة.
محبوب بين زملائه
وتحدث أحد أصدقاء الشهيد عن أخلاقه وجهاده فقال: كان الشهيد (أبو كرار الحميداوي) يهتم اهتماما كبيرا بالفقراء حيث أننا كنا نزور أحد المهجرين الفقراء لتقديم المساعدة له، وبعد أن زرته عقب استشهاد (أبو كرار) وما إن علم الرجل بالأمر حتى شعر بالانهيار عند سماعه الخبر. وكان أبو كرار يسكن في منطقة ذات مستوى اجتماعي جيد؛ لذلك كان يأخذ (الطبخ) الذي يقومون به في ذكرى استشهاد الامام الحسين (ع) الى المناطق العشوائية والفقيرة ويقوم بتوزيعه هناك، وكان يقول: أن هؤلاء أولى وأحق بهذا الثواب لأننا طبخنا للإمام الحسين (ع) ولم نطبخ من أجل التباهي أمام الجيران، وكان يمتاز بالقيادة حيث نحس أنه مميز بيننا، وكان يحب الرياضة وكرة القدم تحديدا حيث كان يتألق في حراسة المرمى بحيث أن أحد لاعبي المنتخب العراقي سابقا قال له: أريدك أن تأتي معي كي نلعب في النادي ثم في المنتخب العراقي، فرد عليه بأنه لا يستطيع وان لديه التزامات، فلم يكن يستطيع أن يقول بأن لديه عملا جهاديا، فإنه فضل العمل الجهادي على هوايته لعب كرة القدم، وكان محبوبا بين الاخوة المجاهدين فجميعهم يحبونه ويحترمونه، وكانت قراراته صائبة جدا، وكان يحتوي الشخص المقابل وعند الخلافات كان يمتص الغضب، قبل ذهابه للجهاد زارني وقال بأنه سيذهب للجهاد؛ فسلمت عليه وأوصيته بنفسه فنظر إليّ نظرة أخيرة فشعرت وكأنه لن يعود حيث كان شكله مختلفا من خلال النظرة والابتسامة، وكأنه نور ليس من أهل الارض، وقد كان يدعو ألهي أرزقني الشهادة، ألهي لا أريد أن تكون وفاتي على فراشي، وكان يفصل ما بين عمله وأهله ففي العمل كان عسكريا، وفي المنزل كان عائليا جدا، فيلاعب أطفاله ويعيش معهم وكان بقية أطفال الاسرة يحبونه فلا تشعر به هناك وكأنه قائد عسكري، نحن كأصدقاء خسرناه حيث كانت علاقتنا أكثر من صداقة، وكان اجتماعيا من خلال المدرسة أو المنطقة، وبعد دخوله في العمل الجهادي ابتعد عن أصدقائه خوفا عليهم من الاحتلال وعملائه وبعد استشهاده علم الجميع بذلك فود الكثيرون لو أنهم ساروا على طريقه.
بطل شهدت له الساحات
والد الشهيد أرفد تحدث عن أبنه فقال: الشهيد ومنذ نشأته تميز بصفات خاصة، فمنذ الطفولة والى سن المراهقة وبلوغه سن الشباب بدأت تنمو معاني الرجولة لديه وهذا الحرص على المذهب وتعاليمه والإرشادات الدينية والتمسك بالمذهب من خلال المحاضرات والمناسبات الدينية الى أن انتمى الى كتائب حزب الله فبدأ هذا الانسان بمواصفاته الخاصة والحرص على المذهب والدين واهتمامه بما يخص أهل بيت الرسالة (ع) وبطولات الامام الحسين (ع) في معركة الطف، بدأت كل هذه المعاني تنمو عنده وتكبر مع شخصيته، وكان يتميز بالشجاعة والإصرار على تحقيق الاهداف التي انتمى من أجلها فتميز ببطولات ومواقف ليست من سنه، فالناس الاكبر منه سنا كانوا معجبين به، جاهد وضرب خلال سنوات الاحتلال وكان أول شاب ضرب الاحتلال وآخر شاب ضربهم وكنت أستيقظ في الرابعة صباحا فأجده يريد الخروج فأسأله فيقول: لتأدية الواجب، وعند دخول الاحتلال الامريكي شارك في أكثر من محافظة مع أخوانه المجاهدين الابطال في كتائب حزب الله. بعد الاحتلال وبعد مزاحمة مرقد السيدة زينب (ع) ذهب هو ورفاقه للواجب فدخل في المعارك وكان هدفهم الاساس هو الدفاع عن مرقد السيدة لان هدف القاعدة كان الوصول الى ذلك المرقد ونبشه فاستشهد هناك. في مجلس عزائه كان المعزون يأتون ولا يقولون البقاء في حياتك، بل كانوا يقولون: رفعت رأسي، فكان الداني والقاصي يقول: بارك الله فيكم، رفعتم رأسنا ورأس المذهب، فهذا هو مسار أهل البيت والسيدة زينب. جاء مختلف العلماء والقبائل وكلهم أشادوا بالشهيد، ولحد الان الناس مازالوا يقولون: هذا فخر لنا وللمذهب فهو لم يكن أبن العائلة أو العشيرة فقط وإنما هو أبن المذهب. فأنا وأولادي وكل عائلتنا مستعدون للتضحية والفداء، فلا حياة بعيداً عن أهل بيت الرسالة ، وكلما زادت الهجمة كلما زادنا ذلك قوة وإيمانا وإصرارا باتجاه مرضاة الله والدفاع عن المذهب. هنيئاً لك الشهادة والكرامة التي حزتها. هنيئاً لك الحياة الأبدية التي حباك بها الله وأكرمك.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.