عسكرة العشائر العراقية بين الماضي والحاضر النشاط البريطاني وعلاقته بعشائر العراق حتى الحرب العالمية الأولى

جحخجخح

5

د. معتز محيي عبد الحميد
البعثات التبشيرية
لم يتورع الاستعمار الغربي في استخدام كافة الأسلحة الممكنة لتحقيق أهدافه الاستغلالية وللحصول على اضخم المكاسب المادية. وفي هذا المضمار كان التبشير احدى أدواته في الشرق .
كانت بريطانيا تحرص على الانفراد بالنفوذ في الدولة العثمانية ولذلك قاومت انتشار بعثات التبشير الكاثوليكية في العراق واعتمدت في اول الأمر على الطرائق الدبلوماسية. ولكن هذا النوع من المقاومة لم يؤد إلى نتيجة تذكر. ولذلك بدأ الإنكليز يقاومون النشاط التبشيري الكاثوليكي بنفس السلاح أي التبشير وبطبيعة الحال بالتبشير البروتستانتي .
لقد أبدى المبشرون البروتستانت الإنكليز اهتماما بالعشائر العراقية، فكان جوزيف وولف Wolff (1796-1862) أول مبشر اوفدته جمعية لندن لنشر النصرانية بين اليهود وقد وصل إلى سنجار والتقى بعدد من اليهود والإيزيديين .
وكان الوقت يتطلب ارسال المزيد من المبشرين البروتستانت لخلق جماعات بروتستانتية في العراق تعتمد عليها بريطانيا في الدفاع عن مشروعاتها الاستعمارية إذ ان العراق أصبح على جانب من الأهمية بالنسبة اليها لا سيما عندما كانت القوات المصرية في عهد محمد علي باشا مسيطرة على بلاد الشام (1832-1840) .
وقد تزامن نشاط بريطانيا التبشيري هذا مع تصاعد نشاطها الاقتصادي في العراق فبينما كانت بعثة جيزني تنزل دجلة كان ينزل في البصرة المبشر البريطاني صموئيل Samuel وكان نشاطه اولا في البصرة ثم انتقل إلى بغداد. ومن السهل جدا ان يربط بين مجيء البعثة ومجيء المبشر صموئيل وحوادث اصطدام بعثة الفرات بالمقاومة العربية في جنوب العراق. فقد رأى الناس في حضور المبشر صموئيل وحماسه الزائد عند وصول بعثته الفرات جزءا من خطه عامة نحو احتلال البلاد الاسلامية وتحويل المسلمين إلى النصرانية ولذلك أخرج صموئيل من العراق .
ولم تكن عشائر العراق الكردية بعيدة عن أنظار المبشرين الإنكليز، فقد أخذت بريطانيا تتحرك بسرعة في هذا المجال فأقرت الجمعية الجغرافية الملكية Royal Geographical Society وجمعية تعزيز المعرفة المسيحية Society For The Promotion Of Christian Knowledge في عام 1838 مشروعا مشتركا لمدة سنتين عرف بـ (بعثة استكشاف كردستان) تم تأليفها من الدكتور اينزورث Ainsoworth وكرستيان رسام G.Rassam ( ) ، وتوماس رسل Russel ، وكان الهدف الرئيس المزعوم للبعثة هو “اكتشاف وسط وشرق الاناضول وشمال العراق وسنجار” وتقديم تقرير عن الكنائس النسطورية واليعقوبية وعن القبائل الكردية واليزيدية ولغتها ومعتقداتها واحوالها السياسية .
وبلغ من اهتمام المبشرين الإنكليز بالعشائر العراقية ومنهم اليزيدية ومعتقداتهم الدينية ان استطاع المبشر الانكليزي أ.و. باري في عام 1895 أن ينشر النص العربي الذي اكتشفه، وقد تضمن كتابين صغيرين لهما علاقة بالمعتقدات الدينية لهذه الطائفة هما “الجلوة” و “مصحف ره ش” أي “الكتاب الاسود” .
استمر النشاط البروتستانتي الانكليزي فاعلا كما كانت السياسة الانكليزية تجد لها اسباب دائمة في بقائه ودعمه كأحد أساليب المواجهة المهمة ضد المنافسات الدولية الأخرى. فقد شهد العقد الأول من القرن العشرين تكثيف بريطانيا لجهودها في العراق لاجل تعزيز نفوذها تمهيدا للسيطرة عليه في حالة انهيار الدولة العثمانية .
وفي هذا الصدد فقد سافر جورج ريد G.Reed (أمين صندوق ارسالية رئيس اساقفة كانتربري) في خريف 1909 من وان إلى الموصل لدراسة امكانية فتح مقر للارسالية التبشيرية في منطقة العمادية، وقد افتتح هذا المقر في عام 1911 .
ان اهمية البعثات التبشيرية – حسب رأي كوتلوف – كان في تعبئة من لهم ارتباط بهذه البعثات فقط، وتجنيد العملاء من بين الزعماء الإقطاعيين. وقد حققت نجاحا كبيرا في بلوغ أهدافها .
ومما تقدم نلاحظ أن النشاط التبشيري الانكليزي في العراق كان موجها بشكل أساس إلى الطوائف النصرانية فيه وخاصة النساطرة والارمن وبدرجة أقل بالنسبة للطائفة اليزيدية والقبائل الكردية ولا نجد إشارة إلى مثل هذا النشاط التبشيري بالنسبة لقبائل العراق العربية بعد ان فشلت هذه البعثات في محاولة نشر النصرانية في صفوف بعضهم .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.