المهاجرون وتجار الموت

لا شك ان حلم الهجرة والعيش في البلدان الغربية، يراود أعداداً كبيرة من ابناء شعوب العالم الثالث الفقيرة منها، وكذلك المبتلية بظروف أمنية قاهرة، فالفقر والجوع وفقدان الأمن، تدفع حتى الحيوان للبحث عن بيئة تمنحه الأمان، ولكن الهجرة عند البعض صارت موضة، أو مجرد طموح ورغبة في العيش في دولة أجنبية، يتوهم انها ستفتح له ذراعيها، وتمنحه كلمة السر لبوابة افتح يا سمسم، متخيلاً نفسه في حياة لا تبتعد صورها عمّا يراه في الأفلام، مع ان واقع الحال خلاف ذلك، ورحلة الهجرة لمن سمع بها ولم يجرّب مسالكها، قد تكون يسيرة وممتعة يوطن الانسان نفسه على تحمّلها، مادامت النتيجة الوصول الى جنة الأحلام، ولكن لمن عايش هذه التجربة، وتحمّل مصاعب ومخاطر طرقها، لا بد انه سيكفر باليوم الذي فكّر فيه بالهجرة، كما سيكفر بأوروبا وأمريكا حتى لو كانت جنة الخلد، فهل جربتم التعامل مع المهربين من تجار الموت، وأكثرهم انذال مخادعون مجرمون، لا يتوانون عن ارتكاب الموبقات، ولا يتعاملون مع المهاجرين كبشر، بل كأجساد يكدسونها في زوارق صغيرة أو قوارب النفخ المعروفة بالجوب، بعد ان يوهمونهم انهم سينقلونهم في بواخر وزوارق سياحية، وهم مستعدون لإلقائهم في البحر اذا ما تعرّضوا للخطر، أو قتلهم وبيعهم لعصابات تهريب الأعضاء البشرية، وهل جربتم الموت المحقق وانتم في عرض البحر تطاردكم دوريات الشرطة، وإذا ما كُتبت لكم النجاة، هل جربتم العيش على هامش المجتمعات، وانتظار قاتل لمقابلات دائرة الهجرة، أما من يبحث عن عمل فلن يجد غير غسل الصحون في مطاعم البيتزا، وبمبالغ لا تستحق مجهودها الكبير، صحيح انك قد تجد الحياة المرفهة، والمجتمعات المتقدمة، ولكن الذي يتنعم بها ويتلذذ بها هو ابن البلد، وليس من هو متطفل عليها، وآخر المطاف يفيق الحالم من حلمه أمام حقيقة مؤلمة مرّة، يخبره بها موظف الهجرة بان طلبه قد رفض، وعندها ليس أمامه إلا ان يعاند نفسه ويبقى متسكعاً، أو يعود ادراجه الى بلده محدثاً نفسه، تيتي تيتي مثل مارحتي اجيتي.
الهذيان العراقي والمعمعة التركية
تطرّق تقرير لجنة الموصل الى دور القنصل التركي في التآمر على اسقاط المدينة، في اشارة لم تأخذ مساحة تستحقها، فهذا الدور الخارجي هو الأخطر في هذا الملف، فهو الذي يفسر حقيقة ما جرى، وكيف تم التآمر على أمن العراق، من خلال ادارة الأحداث، بالتواطؤ مع الخونة من ابناء المدينة وخصوصاً ال النجيفي، والموضوع كما اعتقد لم يعد سراً، فالدور التركي في سوريا والعراق واضح جدا، ولكن الكلام الآن عن ماهية الاجراءات الحكومية، وكيفية التعامل مع حدث بهذا المستوى، لا شك انه سيأخذ أبعاداً دبلوماسية خطيرة، وكما ارسل ملف المتهمين الى القضاء العراقي، فلا بدَّ ان يرسل ملف القنصل التركي، الى جهة قضائية دولية نستطيع من خلالها اثبات هذا الدور، وما يرتبه من ادانة وتبعات قانونية أخرى، ولكن العنجهية التركية تأبى إلا ان تتعامل مع العراق باستخفاف، وهذا ناتج من تفكك النظام السياسي وضعفه، وتيقن الاتراك من وجود أصدقاء لهم، يعملون كسفراء يدافعون عن مصالحها، أكثر مما يدافع سفيرها عنها، لذلك ردت على ما ورد في التقرير باستدعاء السفير العراقي في أنقرة، كما وصفوا ما صرّح به المالكي حول دورهم التآمري مع الاكراد بأنه هذيان، وهذه مسألة طبيعية، فهل يعقل ان يعترف مجرم بجريمته أو يرضى الدخول الى قفص الاتهام ليدافع عن نفسه ويثبت انه بريء، وإذا كان العراقي يهذي بسبب درجة حرارة الجو العالية، فان التركي يمعمع، لأنه يخفي تحت عبه صخلاً.

محمد البغدادي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.