العودة خطوة بخطوة طهران ما زالت تنظر بكثير من الحذر إلى التعاطي البريطاني… وسلوك الولايات المتحدة “غير المنطقي”

هعخحخهج

في مؤشر على بدء مرحلة التطبيع العملي بين ايران والمجتمع الدولي، وهي واحدة من ثمار الاتفاق النووي الذي توصلت اليه الجمهورية الاسلامية ومجموعة 5+1 في فيينا في تموز الماضي، شهدت العلاقات الايرانية البريطانية، تطوراً مهماً، تمثل في استئناف العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، مع إعادة فتح السفارتين في طهران ولندن, وبعد نحو أربعة أعوام على قيام محتجين ايرانيين باقتحام سفارة بريطانيا في طهران، رفع وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، خلال زيارة للعاصمة الايرانية، علم بلاده في حديقة المجمع الديبلوماسي الذي يعود تاريخ إنشائه الى القرن التاسع عشر, وقال هاموند ان هذه المراسم “تمثل نهاية مرحلة في العلاقة بين بلدينا وبدء مرحلة جديدة، أعتقد أنها تبشر بالأفضل” وأضاف انه “بعد مدة تدنت فيها العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الى مستوى منخفض تحسنت هذه العلاقات تدريجيا” وأشار هاموند إلى انّ الاتفاق النووي الذي أبرمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع القوى العالمية الست الشهر الماضي كان معلما بارزا, وأغلقت السفارة البريطانية لدواع أمنية منذ أن داهم محتجون إيرانيون مقرين دبلوماسيين رئيسين في طهران في 29 تشرين الثاني عام 2011، ومزقوا صور ملوك بريطانيين، وأحرقوا سيارة واستولوا على معدات الكترونية, وبعد ساعات من افتتاح السفارة البريطانية في طهران، أعادت ايران افتتاح مبنى سفارتها في لندن, وقال هاموند إن قائما بالأعمال من البلدين سيتولى ادارة شؤون كل من السفارتين في بادئ الأمر قبل الاتفاق على إرسال سفراء في غضون بضعة أشهر, وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، قال هاموند “لقد قطعنا شوطا طويلا، ولكن لنحاول ان نأخذ الامور خطوة خطوة”، مشيرا مرة اخرى الى ان الأولوية هي لتطبيق الاتفاق النووي وبناء الثقة وأضاف “ستكون هذه عملية تطور للتغلب على عدم وجود الثقة” ورحب ظريف بزيارة هاموند، قائلاً ان ايران مصممة على الحوار من أجل حل الخلافات ومعالجة الاضطرابات في الشرق الاوسط في اطار “إعادة إطلاق” العلاقات مع بريطانيا, وأضاف “هذه المنطقة تواجه مشاكل خطيرة” في اشارة الى تنظيم “داعش” مؤكداً ان ذلك “يتطلب مقاربة مختلفة”، ومشدداً على ان “ايران مستعدة للتحاور مع جميع جاراتها وعلينا أن نبدأ التعاون لتحقيق المكاسب المشتركة” ومعروف ان بين ايران وبريطانيا تاريخاً سياسياً حافلاً شهد العديد من المحطات الخلافية أيام الشاهنشاهية وبعد الثورة الاسلامية وتلازم عبارة “الثعلب المكار” أحاديث الساسة والشارع الايراني كلما أتوا على ذكر المملكة المتحدة, ولا بد من الإشارة الى ان إغلاق السفارة البريطانية في عام 2011 لم يكن الاول، وأن الاتهام بدعم المعارضين اثناء احداث العام 2009، التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في ايران، ليس بجديد، فبريطانيا تدخلت في الشأن الداخلي الايراني للمرة الاولى في آب عام 1906، عندما تحصن فيها آلاف المطالبين بإصلاحات دستورية، ممن دعمت لندن مطالبهم بوجه مظفر الدين شاه، الذي اضطر بعد اعتصام شعبي الى الموافقة على تأسيس مجلس الشورى الوطني في تحرك أطلق عليه الثورة الدستورية, أما أول إغلاق للسفارة البريطانية في طهران فكان في زمن الشاه وآنذاك اتهم رئيس الوزراء الايراني محمد مصدق بريطانيا بالمشاركة في مؤامرة لإطاحته، فأمر بإغلاق السفارة وطرد الدبلوماسيين من ايران اواخر عام 1952 لتستمر المؤامرة عليه الى ان تم الانقلاب برعاية أميركية في 19 آب اغسطس عام 1953، ليعود الشاه الى ايران، ويوضع مصدق بالاقامة الجبرية، قبل نفيه الى قرية احمد اباد, في عهد الشاه ظلت اليد البريطانية تتحكم بالمفاصل الاساسية في البلاد الى ان قامت الثورة الاسلامية في عام 1979، وبدأت مرحلة الثمانينيات وخلال هذه المدة، تأزمت العلاقات بين بريطانيا وايران، فكانت السويد ترعى المصالح البريطانية في طهران، وقد تم سحب كل الديبلوماسيين الى لندن, وفي اواخر عام 1988، اتفق الجانبان على إعادة العلاقات الديبلوماسية، إلا ان الفتوى التي أطلقها قائد الثورة الاسلامية الإمام الخميني في الرابع عشر من شباط بإهدار دم الكاتب سلمان رشدي، صاحب كتاب “آيات شيطانية”، والذي يحمل الجنسية البريطانية، دفع بلندن الى استدعاء دبلوماسييها من طهران، ما أدى الى توقف العمل في السفارة من دون إقفالها، فردت الجمهورية الاسلامية بتغيير اسم الشارع الملاصق للسفارة في العاصمة طهران من “ونستون تشرتشل” الى “بابي ساندر” وهو أحد رموز الجيش الجمهوري الايرلندي, وبقيت الامور على حالها الى ان أتى عزو العراق للكويت، فقررت بريطانيا استئناف العلاقات الديبلوماسية مع طهران حتى عام 1992، حين اتهمت محكمة ألمانية عناصر ايرانية باغتيال معارضين اكراد، في ما يعرف يومها بـ “قضية ميكونوس” فاستدعت بريطانيا ودول أوروبية اخرى سفراءها من طهران وفي عام 1997، انتخب محمد خاتمي رئيسا للبلاد، خلفا للشيخ هاشمي رفسنجاني، وبدأت معه مرحلة جديدة من العلاقات، حيث شكل لقاء وزيري خارجية البلدين في عام 1999، على هامش اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة بداية جديدة للعلاقات بين طهران ولندن، الى ان بدأت هذه العلاقات بالتأزم في عام 2003، بعد دخول الملف النووي دائرة الضوء وبخاصة بعد وصول الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد, وشكل الانخراط في مباحثات مع السداسية الدولية التي تضم بريطانيا حالة من المشادة الكلامية الدائمة بين النظام الايراني والقوى الكبرى، فكانت لندن تتهم بعرقلة الحلول الدبلوماسية وفرض عقوبات ظالمة على ايران، الى ان أتت أحداث عام 2009 التي أعقبت الانتخابات وما تلاها من اتهامات واعتقال لعاملين محليين في السفارة البريطانية بتهمة دعم المعارضين وتقديم المساعدة لهم والتجسس على ايران, في عام 2011 فرضت بريطانيا عقوبات مالية على المصرف المركزي الايراني، واتهمت بعرقلة المباحثات فأقر مجلس الشورى الاسلامي قانونا ملزما للحكومة بخفض التمثيل الدبلوماسي مع بريطانيا، إلا ان الشارع لم ينتظر، فنظمت تظاهرة حاشدة أمام السفارة في شارع الصيرفة في طهران حيث يقع مقر الممثلية البريطانية، وتم اقتحامها، فقامت لندن بالرد بطرد دبلوماسيين إيرانيين وبادرتها ايران بالمثل، لتقفل السفارة في كلا البلدين, وقبل عامين، وصل الشيخ روحاني الى سدة الحكم، التقى وزراء الخارجية حول طاولة المحادثات النووية, وبرغم استئناف العلاقات الديبلوماسية يوم امس، إلا ان طهران ما زالت تنظر بكثير من الحذر الى التعاطي البريطاني، ومن المؤكد انها لن تنسى تاريخا طويلا يحتاج الى الكثير من الوقت لإعادة بناء ثقة مفقودة, واذا كان المقاربة الايرانية إزاء العلاقات مع بريطانيا تتسم بالحذر، إلا ان الامر يبدو أكثر تعقيداً في ما يخص استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة, ورداً على سؤال حول ما اذا كانت ايران ستدرس إعادة البعثة الدبلوماسية ألأميركية قال ظريف، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع هاموند، ان سلوك الولايات المتحدة “غير المنطقي” إزاء إيران يعني أن الوقت غير مناسب لخطوة مماثلة مع واشنطن, وأضاف “يبدو أن هناك حاجة لتغيير في ذلك النوع من التصرف والسلوك من جانب الولايات المتحدة لذا فإن الموقف مختلف مع الولايات المتحدة” وهاجم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية إبان الثورة الإيرانية في العام 1979 بسبب خشيتهم من تكرار انقلاب وقع في عام 1953، حين نظمت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية مخططا لإطاحة رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدق ونتج من هجوم الطلاب على السفارة الاميركية أزمة رهائن أميركيين دامت 444 يوما.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.