من الذاكرة مقبرة شهداء جيش العراق في جنين تؤرخ أمجاده في محاربة الصهاينة

نتخمهحهخ

ما إن نصل إلى المدخل الجنوبي لمدينة جنين الواقعة في شمال الضفة الغربية، حتى تأخذنا العيون إلى مقبرة وضعت على البوابة الرئيسة لمدخلها لافتة قديمة كتبت عليها عبارة «مقبرة شهداء الجيش العراقي». وقد تحولت هذه المقبرة التي تحتضن رفات نحو 45 ضابطا وجنديا من الجيش العراقي ممن سقطوا خلال معارك الدفاع عن منطقة جنين في مواجهة العصابات الصهيونية، عام 1948، إلى معلم تاريخي يؤمه الفلسطينيون ممن يرون فيه مؤشرا إلى حقبة تاريخية مهمة مرت بها فلسطين.
أحيطت هذه المقبرة، بمشاتل الورود، وأشجار الزيتون واللوز، وجدار إسمنتي يزيد ارتفاعه على مترين، وبداخلها نصب تذكاري حفرت عليه أسماء الشهداء العراقيين المدفونين في هذه المقبرة التي يحمل كل ضريح فيها، اسم الشهيد المدفون فيه ضمن ساحة واسعة جرى تبليط أرضيتها بالحجارة البيضاء.
لسنوات طويلة، كانت مقبرة شهداء الجيش العراقي، مغلقة أمام الفلسطينيين بقرار من جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي فتحها أمام الوفود اليهودية، حتى مطلع التسعينيات، وتحديدا عندما تسلمت السلطة الفلسطينية، مدينة جنين، بموجب اتفاقية أوسلو، حيث أقدم الجيش الإسرائيلي على إزالة دبابة مدمرة يروى أنها تعود للجيش الأردني، كان دمرها جيش الاحتلال، خلال حرب حزيران 1967.
اللافت، كما يقول الفلسطينيون من القاطنين في قرية مثلث الشهداء المجاورة لمقبرة شهداء الجيش العراقي، أن تلك الدبابة التي رفض قائدها الانسحاب خلال الحرب، كانت موضوعة على قاعدة خرسانية مرتفعة، في وضعية المنكسر والمهزوم، وحافظت إسرائيل عليها لتذكر الفلسطينيين بمرارة الهزيمة في تلك الحرب.
حتى أيام قليلة سبقت خروج قوات جيش الاحتلال من مدينة جنين، كانت الوفود السياحية اليهودية، تؤم مقبرة شهداء الجيش العراقي، حيث كان أطفال اليهود يحرصون على التقاط صور تذكارية لهم بالقرب من الدبابة المدمرة التي يروي الفلسطينيون أن جيش الاحتلال نقلها إلى أحد المتاحف الإسرائيلية. ورغم عدم وجود رواية محددة عن الأوضاع التي واكبت سقوط شهداء الجيش العراقي هؤلاء، إلا أن كثيرين من المواطنين والمؤرخين الفلسطينيين، يجمعون على أنهم سقطوا وهم يخوضون معارك عنيفة في مواجهة العصابات الصهيونية، في عام 1948، عندما تمكنت تلك العصابات، من احتلال مدينة جنين، بعد هجوم عنيف شنته عليها العصابات التي أحكمت الحصار حولها، وقطع الاتصال ما بينها وبين مدينة نابلس المجاورة. وفي تلك الأيام، يروي أحد المؤرخين، أن العصابات الصهيونية، حاصرت مركز الشرطة الفلسطينية في المدينة، الذي كان يعرف باسم «السرايا»، وبدأت بقصفه بمدافع الهاون، في محاولة منها للنيل من المتطوعين العرب والمقاتلين الفلسطينيين ممن تحصنوا في داخله، بالتزامن مع تحرك لواء من الجيش العراقي، في طريقه إلى مدينة طولكرم، منطلقا من مدينة نابلس.
تؤكد روايات يتناقلها الفلسطينيون عن آبائهم وأجدادهم ممن عايشوا تلك الحرب، أن لواء الجيش العراقي غيّر مساره بعد أن التقط إشارة استغاثة من المحاصرين داخل مقر «السرايا»، فتوجه نحو منطقة جنين، حيث تمركز في منطقة تسمى «جنزور» في سهل قباطية جنوب جنين، لتبدأ المدفعية العراقية بقصف المنطقة، بعد الطلب من المقاتلين الفلسطينيين اتخاذ الاحتياطات اللازمة، في قصف امتد ليطال التجمعات السكانية اليهودية المجاورة، والعصابات الصهيونية، وأرتال السيارات المصفحة والعربات والإمدادات الصهيونية التي كانت في طريقها إلى مدينة نابلس، بهدف احتلالها بعد الانتهاء من احتلال جنين. وفيما تمكنت المدفعية العراقية، بحسب الروايات، من تدمير الأرتال والإمدادات العسكرية اليهودية، كانت العصابات الصهيونية تتمركز في مدرسة جنين، وأسطح البنايات المرتفعة، وبدأت قوات من الجيش العراقي بتنفيذ ما وصفته آنذاك بمهمة «تطهير جنين من العصابات الصهيونية»، فخاضت حرب شوارع مع تلك العصابات المسلحة التي أجبرها الجيش العراقي على الانسحاب من المدينة، بعد أن أوقع في صفوفها المئات من القتلى والجرحى ممن كانت تقلهم العربات.
كان الفلسطينيون يتجمعون في تلك الأيام حول أجهزة «راديو» قديمة، وهم يستمعون من محطة الإذاعة البريطانية الناطقة باللغة العربية، عن أنباء الانتصارات التي يحققها الجيش العراقي الذي تمكن من استعادة جنين وتحريرها، ودخلت دباباته إلى قرية «زرعين» الواقعة خلف الخط الأخضر، لتشهد المدينة والقرى الفلسطينية المجاورة لها أعراس الفرح، حيث خرج آلاف الفلسطينيين إلى الشوارع، وهم يهتفون للجيش العراقي.
وبحسب روايات المؤرخين، أوفد الصهيونيون فلسطينيين اثنين من أعيان مدينة حيفا، يحملان عرضا لقائد لواء الجيش العراقي، يقضي بتسليم مدينة حيفا للجيش العراقي، شريطة التزام الأخير عدم المساس بأرواح اليهود وممتلكاتهم، وهي أنباء أثارت الغبطة والفرح في نفوس الفلسطينيين ممن صعقوا بعد وقت قصير، بنبأ انسحاب الجيش العراقي من منطقتي زرعين والعفولة وتخوم حيفا، وعودته إلى جنين، بموجب قرار من الحكومة العراقية آنذاك، تضمن إلزام قائد اللواء العراقي، العودة إلى بغداد، ومثوله أمام محكمة عسكرية خاصة أدانته بالتصرف فرديا من دون الرجوع إلى القيادة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.