عراقي يتوسط بين هتلر وملك مصر في الحرب العالمية الثانية

نحكخهحه

رفعة عبد الرزاق محمد
اهدى لي احد الاساتذة الافاضل قطعة مترجمة من كتاب مثير للغاية عن موقف المانيا من العالم العربي ابان الحرب العالمية الثانية والقطعة مستلة من كتاب (روميل ينادي القاهرة) تاليف جي ابلر وهي معنية بشكل رئيس بقضية هامة عن اتصالات ملك مصر فاروق بالمانيا هذه الاتصالات التي جعلت بريطانيا تتخذ موقفا سياسيا خطير الشان في تاريخ مصر الحديث.
اعني به حادثة (4 فبراير) الشهيرة وكنت قد قرات قبل هذا بحثا قيما للدكتور فهمي الشناوي في مجلة (الدوحة) المحتجبة عن اتصالات ملك مصر بالمانيا الهتلرية. وقد اعتمد الباحث على المصادر الالمانية الاصلية وهي مجموعة الوثاق الالمانية التي كان قد استولى عليها الحلفاء بعد هزيمة المانيا وقد اعادتها الدولة السوفيتية الى حكومة المانيا الاتحادية فيما بعد كما اعتمد على النتف والاشارات الواردة في عدد قليل من المذكرات السياسية
* على ان اهمية كتاب (روميل ينادي القاهرة) تكمن في تركيزه على دور (المكتب العربي) بالمانيا في هذه القضية وهذا المكتب كما هو معروف كان يضم نخبة من السياسيين العرب المناوئين للسياسة البريطانية والذين دفعهم البطش والارهاب الى اللجوء الى المانيا ومنهم عدد كبير من العراقيين الذين لعبوا دورا مهما في حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941.
ان الصورة لا تكتمل بدون المزيد من القرائن والمواقف الاخرى من قضية الاتصالات الالمانية بفاروق بعد ان حاول اكثر من واحد اثارة الشكوك حول هذا الموضوع او توجيه القضية برمتها وجهة مغايرة كما فعل انور السادات في كتابه (ثورة على النيل) عند حديثه عن جمعية الضباط الاحرار.
* وقد تذكرت وانا اطلع على خفايا هذه الاتصالات كما وردت في الوثائق الالمانية ان كاتبا عراقيا معروفا قد اشار اليها في مذكراته المطبوعة وهو المرحوم يونس بحري (توفي سنة 1979) الذي اشتغل في الصحافة العراقية قبل ان يرتحل الى المانيا ويصبح لولب الاذاعة العربية في برلين. ومذكراته الموسومة (هنا برلين، حي العرب) هي انطباعات وذكريات تجمع بين الجد والهزل احيانا وبين المبالغة والصدق احيانا اخرى وهذا ديدن كاتبها كما اجمع على ذلك المتصلين به غير ان ما يورده عن قضية الاتصالات المصرية الالمانية في الحرب العالمية الثانية يعتبر قرينة جديدة.
* بعد ان اخذ الموقف العسكري في البحر المتوسط يتغير لصالح المحور في اواخر سنة 1941 واخذت القوات الالمانية تتقدم في شمال افريقيا وتقف على مشارف الاسكندرية. بدأ تفكير ملك مصر فاروق يتغير لصالح الالمان لخشيته الاكيدة من ان يعود عرش مصر ثانية الى خديوي مصر الاسبق عباس حلمي الذي خلعه الانكليز سنة 1914 وخاصة بعد ان بدات تتسرب الى البلاد المصري اخبار اتصال عباس حلمي بالمنايا وزيارته لبرلين ونشاطه في كسب المؤيدين له غير ان تجاوب فاروق مع المبعوثين الالمان جعل القيادة الالمانية تفكر بالتعاون معه قبيل الهجوم على مصر وقطع العلاقة مع الخديوي السابق.
* إلا ان بريطانيا التي خبرت السياسة في الاقطار العربية انذاك هداها تفكيرها بعد ان وصل الى اسماعها خبر الاتصالات بين المانيا وبلاط مصر الاتجاه نحو حزب الوفد المصري الذي كان يرأسه مصطفى النحاس يومذاك ومن المحتمل ان لندن كانت تود ان تسد الطريق بانجح طريقة ممكنة امام تشكل وزارة يسيطر عليها الملك وعلي ماهر اللذان كانا يعدّان بحق اكبر انصار المحور في مصر وان تسعى في الوقت نفسه الى تهدئة الموقف بتشكيل حكومة وفدية. وهكذا وقع حادث (4 فبراير 1942) حيث تشكلت اعقابه وزارة نحاسية تحت اسنة الحراب البريطانية.
* والان لنقرأ ماذا يقول المرحوم يونس بحري في مذكراته (الجزء الخامس) ونفهم ان غوبلز قد اوصاه في اول اسبوع من الشروع ببث الاذاعة العربية بلزوم تأييد سياسة االوفد المصري وتمجيد اعمال زعيم الوفد وحثه على معارضة الانكليز في مصر والسودان. وقد رد بحري بان سياسة محمود فهمي النقراشي الايجابي مع بريطانيا كانت اقوى واشد من سياسة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وسياسة جميل مردم مع الفرنسيين والبريطانيين وان الموقف العدائي الذي وقفه النقراشي من المانيا والمحور كان الموقف الذي وقفه خلفه في وزارة الداخلية فؤاد سراج الدين. فقال غوبلز ارجو ان تكتب لي تقريرا عن هذا الوضع لاتخاذ قرار رسمي يطلق لك حرية التصرف والقول في اذاعتك من ناحية سياسة هؤلاء في مصر!.
ويذكر يونس بحري انه بعد انتصار المانيا في بولندا، اعتقد الملك فاروق بان الفرصة سنحت له للاتصال بالمحور وبالمانيا بالذات لكي يضمن لنفسه وعرشه البقاء ملكا على مصر في حالة انتصار المانيا اشار من طرف خفي الى علي ماهر ليجس نبض المانيا!
“وفي مساء يوم من ايام حزيران 1940 وصلتني اشارة من القاهرة يقول مرسلها ان فاروق قد اشار على السيد علي ماهر ان يتصل بالامير شكيب ارسلان بجنيف ليقول الاخر بدوره في برلين لاصدار تصريح رسمي تعترف فيه المانيا بفاروق ملكا على مصر وباستقلال مصر”. ويضيف بحري ان مخاوف فاروق واستعجاله للاتصال بالمانيا جاءت بعد ان رفضت بريطانيا ان تكون القاهرة مدينة مفتوحة فيالوقت الذي ضرب فيه الاسطول الايطالي مدينة الاسكندرية وبعض المواقع البريطانية.
وبعد اسبوع تسلمت الاذاعة العربية في برلين نص وثيقة سرية حصلت عليها القيادة الالمانية، وهي مرسلة من السفارة الفرنسية في لندن الى وزارة الخارجية الفرنسية تنص على اهمال بريطانيا لمشروع عدّ القاهرة مدينة مفتوحة لتجنب ويلات الحرب، وازدادت مخاوف الملك فاروق والح على علي ماهر للاتصال بالامير شكيب ارسلان، وفعلا اتصل المكتب العربي في برلين بغوبلز الذي اجاب:
– بلغ الامير ارسلان باننا على استعداد تام لاستقباله هنا.
* اذن، ابلغ الامير بان يكون المفاوض المصري غير الاستاذ علي ماهر.
– لماذا؟
* الم اكتب لك تقريري عنه وعن شقيقه احمد ماهر وفيه التفصيلات الوافية.
– افعل ما تراه مناسبا!
وبعد اسبوع من هذا الحديث الذي جرى بين غوبلز وبين يونس بحري – كما يقول في مذكراته – تلقى المكتب العربي رسالة من الامير شكيب ارسلان بوساطة القنصل الالماني في جنيف حشاها بهجوم عنيف على يونس بحري متهما اياه بابعاد علي ماهر “الدبلوماسي البارع والسياسي المحنك، عن طريق المفاوضات المصرية – الالمانية” وقال في خاتمة رسالته ان المانيا اذا لم تصدر تصريحا رسميا يذاع وينشر في الصحف عن ضمان استقلال مصر والاقطار العربية فان المفاوض المصري او اي مفاوض عربي آخر لن يحضر الى برلين.
وعلى اثر هذا وبعد الحفلة الكبيرة التي اقامها هتلر لقادة الجيش الالماني المنتصرين في الجبة الغربية اصدرت وزارة الخارجية الالمانية تصريحا رسميا بالاتفاق مع ايطاليا تعترف بحقوق العرب السياسية والطبيعية والتاريخية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.