بلاد الرافدين في مواجهة الجفاف!!

تؤشر معاناة إحدى المناطق من انخفاضِ هطول الأمطار عن معدلاتها الطبيعية بشكلٍ دائم الملامح الرئيسة لخضوعِها تحت ظروف مناخية يشار إليها باصطلاحِ الجفاف، الذي يعرف بوصفه فترة من الوقتِ قد تمتد إلى شهورٍ أو سنوات بفعلِ النقص الحاد في المواردِ المائية. وتتمحور خطورة الجفاف التي أصبحت في عالمِ اليوم ظاهرة عالمية بسعةِ نطاق آثارها السلبية في القطاع الزراعي، بالإضافةِ إلى ما تخلفه من تداعياتٍ تلحق الضرر بالنظامِ البيئي في المناطقِ التي يخيم عليها الجفاف، ولاسِيَّمَا فترات الجفاف الطويلة التي تفضي إلى حدوثِ الهجرة الجماعية، بالإضافةِ إلى الكوارثِ الإنسانية الأخرى، مثلما هو حاصل في منطقتي القرن الأفريقي والساحل الأفريقي. ومن المهم الإشارة هنا إلى أنَّ آثارَ الجفاف لا تكون مرهونة باستمرارِ حدوثه لعدةِ سنوات، حيث وجد أنَّ فترةً قصيرة من الجفافِ الشديد من شأنِها إلحاق أضرار هائلة بمقدورِها إنزال خسائر جسيمة بالاقتصادِ الوطني.

إنَّ مشكلةَ الجفاف التي تعرضت لها أغلب مناطق العراق في السنواتِ الأخيرة، وبخاصة عامي 2007 و 2008 وما تلاهما، بدأت آثارها الشديدة تظهر في أفقِ كثير من مناطقِ البلاد نتيجة لانحسارِ الأمطار، بالإضافةِ إلى تزامنِها مع الانخفاض الحاد بمناسيبِ المياه في نهري دجلة والفرات اللذين يعانيان أصلاً من انخفاضِ حصصهما في العراق بنسبةٍ لا يمكن التعويل عليها في سدِ حاجة المزارعين الذين ما يزال أغلبهم يعتمد الطرق التقليدية لإرواءِ الأراضي المزروعة، المتمثلة بطريقتي السقي بالسيح والسقي بالواسطة، التي أفضت إلى زيادةِ تداعيات مشكلة نقص المياه؛ لتسببها بهدرِ حجوم كبيرة من إيراداتِ المياه، وصلت في محافظةِ ذي قار على سبيلِ المثال لا الحصر إلى ( 60% )، وفي محافظةِ ميسان إلى ( 50% ) من إجمالي مياه الري الواردة إليهما بحسبِ اللجان الزراعية في هذه المحافظات.

لا يخامرنا شك في ثقلِ التداعيات التي خلفتها ظاهرة الجفاف ببلادِنا في المدةِ الماضية، التي في المقدمةِ منها الخسائر الكبيرة التي تحملها الاقتصاد الوطني في أعقابِ هجرة آلاف المواطنين مزارعهم، فضلاً عن الأضرارِ الهائلة التي أصابت الثروة الحيوانية، الأمر الذي فاقم سلبيةِ آثارها الانعكاسية على الاقتصادِ المحلي، وما اكتنفه من معطياتٍ أخلت باستقرارِ مجتمعنا الذي يعد أحد أبرز المقومات التي تؤشر سلامة البناء الاجتماعي. ويضاف إلى ذلك ما تحملته البيئة العراقية من مشكلاتٍ أسهمت بتصدعِ مرتكزات النظام الصحي.

اللافت للانتباه أنَّ الجهاتِ الحكومية المعنية بموضوعِ ظاهرة الجفاف، لم تفلح بمواجهةِ تداعياتها بإجراءاتٍ ترتقي إلى مستوى ما يترتب عليها من نتائجَ خطيرة؛ بالنظرِ لاقتصارِ ما أعد من خططٍ وبرامج على فعالياتٍ محدودة التأثير، لا تتعدى المناورة بالإطلاقاتِ المائية التي لم تسلم من تجاوزاتِ المحافظات المتشاطئة على الحصصِ المائية في ظلِ افتقار وزارة الموارد المائية إلى عاملِ الردع، ولعل إتهام حكومة ذي قار المحلية مطلعَ شهر حزيران الماضي محافظات النجف والديوانية والمثنى بالتجاوزِ على حصتِها من الإطلاقاتِ المائية عبر نهر الفرات خير مصداق لما تقدم. ويضاف إلى ذلك إغفال إدارة الموارد المائية ظاهرة رمي مياه البزل في المجاري المائية، مثلما يتعرض له نهر الفرات في الوقتِ الحاضر من تلويثٍ بمياه البزل عند مروره بمحافظةِ المثنى من دون أي رادع من المواردِ المائية، ما أفضى إلى كارثةٍ بيئية حقيقية في مناطقِ الأهوار والمناطق الجنوبية من المحافظة؛ لزيادةِ نسبة التراكيز الملحية في حوضِ الفرات.

إنَّ النقصَ الكبير بمواردِنا المائية يتطلب رسم إدارة المياه في العراق سياسات استراتيجية بوسعِها المحافظة على مخزونٍ من المياه يلبي حاجة مختلف قطاعات البلاد، إلى جانبِ المساهمة في مواجهة مشكلة التصحر التي فاقمت المخاطر البيئية، ولاسِيَّمَا آثار التغيرات المناخية التي تلمس المواطن جانباً من انعكاساتِها بارتفاعِ درجات الحرارة في الأعوامِ القليلة الماضية.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.