فيضان الناصرية 1953 .. إرادة الناس وغضب نهر أبو جداحة

عحخهجحخ

جاسم عاصي
ما نريد أن نستذكره الآن، هو فيضان عام 1953 في مدينة الناصرية، كنا يومها صغاراً، ننتظر افتتاح المدرسة الشرقية ببنايتها الجديدة، لكي ندشنها ونحن تلاميذ الصف الأول الابتدائي، فقد انتسبنا إليها في مكانها الذي ينعت بالحريق. وهو غرفة صغيرة في آخر ساحة طولية. وكان المرحوم ( قاسم أفندي ) وهو أول معلم في الناصرية قارع الاحتلال العثماني بالعلم والتعلّم. اصطحبنا والدي أخي وأنا، وكانت له معرفة بالمدير، فهم أبناء مدينة واحدة. ومعرفة والدي ليس بالمدير فحسب، بل بأبنائه ( فريد، مؤيد، رياض ). في هذه السنة بالذات، وقبل ابتداء دوام المدارس ولهفتنا للدوام تلّح علينا، سمعنا المآذن تكبر وتدعو أهالي المدينة للتجمع في أقصاها لدرء مياه الفيضان وغضب أبو جدّاحة. وفعلاً تجمع القوم كل حسب مهنته، ومنهم من حمل الرايات، تتخلل مسيراتهم الهوسات متجمعين حسب الأوامر على ضفة الماء. وكان العمل يجري بسرعة، حيث أعدت أكياس الجنفاص وفرق التعبئة والمساحي والفؤوس. وعمل الجميع كفريق واحد.
وما زلت أتذكر كيف كان جمع الخياطين والبنائين والحمالين، وفرق يمثلون كل المهن، وهم يرددون ما يُشير إلى مهنهم. وبزمن قصير، ارتفع الشريط الترابي الذي يُطلق عليه ( الروف ) ويصد الماء الذي يُهدد المدينة. وقد اطمأنت قلوبنا نحن الفتية على سلامة موعد دوام المدرسة، التي سارعوا لتأثيثها بالجديد من الأثاث. وما أن مر زمن قصير حتى تحولت جروف المياه إلى مستقرات للزوارق ووسائط النقل المائية الأخرى كالمراكب والماطورات. وكنّا نرى الآتين إلى المدينة، يتركون زوارقهم قافزين إلى اليابسة، ثم الانغمار في كبد المدينة، لعرض بضاعتهم، أو ليتبضعوا من أسواقها حاجات مختلفة ومواد غذائية وقماش. بينما شمّر الصيادون عن أذرعهم لمخر عباب مياه المسطحات المائية، برمي شباكهم، والإتيان بالحمل الوفير من السمك، حيث يعرضونه في السوق المستحدث بالقرب من ضفاف المياه. وكنا نرى أصحاب الشباك الصغيرة المسماة ( السِلّيّة ) وهم يرمونها برشاقة جناحي طائر ضخم، مفترشة سطح الماء الرائق، ثم بسبب ثقل نهاياتها المعلقة في أطرافها قطع الرصاص، تغور في الماء. وما هي إلا دقائق قليلة، والصيّاد يسحبها فتظهر من الماء لامّة نفسها على سمك وفير وعلى مختلف الأحجام. يُفرغه على الضفة، ونحن نراقبه، ثم يضعه في خرجه ( الزنبيل) وقد يعطف علينا فيقد من وفرة صيده سمكة صغيرة، أو مجموعة من (الحَرِشْ) نسارع به إلى أمهاتنا كي تُعدّه لنا طعاماً شهياً.هكذا كان أهل المدينة عازمين زمن الشدائد يشد بعضهم عضد البعض الآخر، ولا يتكّل أحدهم على الآخر، بل يبادر في قول الحق، وأداء الفعل المفيد للجميع. وما هي إلا بضعة أشهر، حتى انحسرت المياه عن بقعة الأرض الممتدة بسعة والمؤدية دروبها الوعرة إلى عشائر المدينة وأماكنها القصية. بعدها تأسست قرية فرحان، التي سيكون لنا حديث عنها في قابل الزمان.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.