سامحني ربي .. اللهم أني لا أسألك رد القضاء وإنما أسألك اللطف فيه

المراقب العراقي / خاص

يروي صاحب هذه القصة مأساته قائلًا :
لم أكن إنسانًا جيدًا أو صالحًا .. كنت إنسانًا سيئًا.. مستهترًا.. تصرفاتي اللامعقولة تجاوزت كل الحدود والعرف.. لطالما نصحتني أمي.. ووجهني أبي إلى طريق الصواب والابتعاد عن طريق المهلكات.. لكن لا جدوى من نصائح أمي ولا توجيهات أبي.. حتى يئسا من محاولاتهما المستميتة في سبيل إصلاحي وتقويمي .
لقد وصلت رعونتي أقصى مداها.. كنت ذات يوم أسير مسرعًا بسيارتي مخالفًا لمرور السير.. وإذا برجل يظهر أمامي فجأة.. لم أتمكن حينها من القيام بأي تصرف لإيقاف السيارة المسرعة .. كانت فوق الحد.. والرجل ظهر فجأة.. وكانت النتيجة دهس الرجل.. وموته في الحال .. وانطلقت بسيارتي هارباً .. فيما تركت الرجل غارقًا بدمائه.. عدت إلى البيت مسرعًا دون أن يشعر بي أحد.. ودون أيضًا أن أشعر بالندم.. وكيف لي أن أشعر بالندم وأنا أصلًا كنت عديم الشعور والإحساس.. كان همي ألا ينكشف أمري.. ويكون مصيري السجن.. ومضت أيام وأيام وتنفست الصعداء.. وشعرت بالارتياح كوني أفلت من جريمتي غير المقصودة.. نعم لم أكن أشعر بالذنب.. وكان عزائي أنني لم أقصد دهسه.. وعزوت ذلك إلى القضاء والقدر.
ثم مارست حياتي المعهودة وكأن شيئًا لم يكن .. فنسيت الأمر تمامًا.. ولم يدر بخلدي أن في السماء منتقمًا جبارًا.. إلهًا عينه لا تنام.. وفي يوم مشؤوم كنت ذاهبًا سيرًا على الأقدام إلى احدى المحال التجارية لشراء السجائر فإذا بسيارة مسرعة تدهسني تمامًا بنفس الطريقة التي دهست بها الرجل قبل خمسة أعوام.. الفارق أنه توفي.. وأنا أصبت بإعاقة تامة.. شلل رباعي.. أدركت في الحال أن الله تعالى انتقم مني انتقامًا شديدًا جراء ما اقترفته ليس فقط بالتسبب في موت الرجل.. وإنما أيضًا لاستهتاري في كل أمور الحياة.. سبحانه إنه يمهل ولا يهمل.. ظننت أنني أفلت من العقاب.. بل وتماديت في استهتاري ورعونتي دون أن أتعظ.
ومن عجائب الأقدار أن الذي دهسني هو ابن ذلك الرجل الذي دهسته منذ سنوات.. هو عندما يأتي لزيارتي في المستشفى حكى لي ما حدث لأبيه في ذلك اليوم المشؤوم.. وحدد اليوم والتاريخ والتوقيت الذي حدث فيه الحادث.. وكيف أثر هذا الحادث في الأسرة كلها.. أمه ماتت حصرة وكمدًا عليه.. وزوجته تكالبت عليها الأمراض حزنًا وألمًا على رحيله المفاجئ.. وأبناؤه الذين مازالوا يشعرون باليتم حتى هذا اليوم.. وكم شعرت بالألم وهو يقص عليّ معاناة أسرة الضحية.. وكم شعرت بالضآلة وحقارة النفس.. ماذا كنت عساي أن أفعل.. ؟ كتمت الخبر.. ولم أبح له بأنني قاتل أبيه..
وهأنا الآن.. لستُ حيًا.. ولا ميتًا.. منطرحًا على السرير حتى أموت.. أمي وأبي حولي ينفطر قلباهما من الألم على حالي.. مسكينة أمي.. مسكين أبي.. طالما نصحاني.. ولم أكن أصغي لهما.. أو أستمع لنصائحهما.. والآن يتجرعان العذاب والمعاناة على ما آل إليه حالي.. لم أرحهما يومًا في حياتي.. منذ صغري وأنا أسبب لهما الشقاء.. وإلى الآن وهما يعانيان من أجلي.. وهكذا يظلان حتى يأخذ الله أمانته.. صرت أشفق عليهما أكثر من إشفاقي على نفسي.. من يقف بجواري في محنتي غيرهما.. وقد انفض الجميع من حولي .. سامحني ربي .. اللهم أني لا أسألك رد القضاء وإنما أسألك اللطف فيه .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.