قضايا جنائية المسلسلات والأفلام البوليسية والأدلة الجنائية

هحهخحهخ

المراقب العراقي / خاص

مع التطور الذي شهدته الادلة الجنائية : أي استخدام العلوم الجنائية في اقامة الحجة على المتهمين بارتكاب الجرائم المختلفة ، ظهرت علينا مسلسلات تلفزيونية عديدة تستغل ذلك التطور وتلك العلوم الجنائية من اجل التشويق الدرامي واغراء المشاهدين لمتابعتها .
تلك المسلسلات على غرار المسلسل الشهير ( CSI ) و ( Bones ) و (Cold Case) و ( Criminal Minds) وغيرها ، ساهمت في التأثير في افكار الناس وقولبة آرائهم حول ما يستطيع العلم تقديمه من اجل مكافحة الجريمة او التعرف الى المجرمين في جرائم القتل الغامضة ، فارتفع سقف التوقعات من العاملين في مجال الأدلة الجنائية .
وبفضل هذه المسلسلات صار الناس ينظرون باكبار واجلال واهتمام الى العاملين في مؤسسات الطب العدلي والعلوم الجنائية الاخرى ، وهذه نقطة ايجابية تصب في مصلحة تلك المؤسسات في مقابل ذلك فان ارتفاع سقف التوقعات والنظرة الخيالية الى الامكانيات العلمية والفنية للعاملين في مجال العلوم الجنائية تضر بالقيمة الحقيقية لهذا الاختصاص المهم . ما تصوره هذه المسلسلات من دقة في نتائج الفحوص المعملية وسرعة في الحصول عليها لا يمثل الحقيقة ، كما ان اعضاء فريق الادلة الجنائية ومسرح الجريمة لا يطاردون المجرمين ولا يحققون معهم كما تحاول تلك المسلسلات ان تكرسه من خلال ابطالها .
ويعتقد كثيرون بان هذه المسلسلات البوليسية المبنية على الادلة الجنائية القت بظلالها على السلوك الاجرامي من حيث زيادة وعي المجرمين بالاحتياطات المتخذة لتلافي ترك ادلة تدينهم في مسرح الجريمة ، ويذكر على سبيل المثال ان العديد من ضحايا الاعتداءات الجنسية اجبرن على الاستحمام واستعمال مواد مطهرة قبل ان يغادر الجناة المكان . كما صار المجرمون يحرصون على استعمال القفازات والتخلص من ملابسهم بعد ارتكاب جرائمهم عن طريق الحرق والتخلص من سلاح الجريمة بالقائه في البحر او بحيرة ، وتحاشي ترك لعابهم على طوابع البريد او اغلفة الرسائل المستخدمة في الابتزاز .
ومن التأثيرات غير المستحبة في العاملين بالقانون اعتقادهم بضرورة اجراء التحاليل الكيميائية والبيولوجية في كل القضايا الجنائية ، وعدم تقبلهم لآراء الاطباء العدليين ان لم تتضمن نتائج تحاليل معملية وعبارات ومصطلحات غريبة ومنمقة . كما صار قضاة التحقيق العامة يتطلعون الى ايجاد الادلة الجنائية وبخاصة البصمة الوراثية حتى اذا توافر شهود عيان تصب شهادتهم في تأكيد ادانة المتهم . بينما الصحيح ان الطبيب العدلي هو الذي يقرر ضرورة اجراء فحص معين من عدمه . او عدم اجراء أي فحوص معملية على الاطلاق في بعض القضايا الواضحة او الوفيات غير الجنائية . وكذلك يكون وضوح الرأي وعدم استخدام المصطلحات المعقدة نقطة ايجابية في التقرير الطبي وليس العكس .وقد اثرت هذه المسلسلات باخراجها الشائق في العديد من الشباب وجعلتهم يتجهون الى الدراسة الجامعية في العلوم الجنائية والتخصص فيها ، وبهذا لم تعد الندرة هي السمة الطاغية على هذا المجال ، بل ان اقسام البيولوجيا الحيوية (DNA) صارت تعاني من الاقبال المتزايد الى درجة الاكتظاظ في بعض المراكز.اثناء القائي سلسلة من المحاضرات حول ( التحقيق الجنائي الفني) سألني طالب في السنة النهائية باحدى كليات الشرطة عن انطباع صورة الجاني على قاع عين المجني عليه ولماذا لا تظل الصورة واضحة الا لمدة خمس عشرة دقيقة ؟ العجيب في الامر انه لم يسألني عما اذا كانت تلك المعلومة حقيقية ام لا ، فقد كان يبدو انه متيقن من صحتها . ولما سألته عن مصدر هذه المعلومة اجاب بان طبيبا متخصصا في الطب العدلي اخبره بذلك ! حاولت ان اجعله يقتنع بان ذلك ضرب من الخيال ومحض افتراء ، ايا كان مصدر معلوماته ، ولكنني لا اعتقد انني نجحت في ذلك ، الراهن ان الناس يصدقون كل ما هو غريب وخيالي وغير متوقع . اما الحقائق العلمية البسيطة فلا يلقون اليها أي بال . معامل التصديق يتناسب عكسيا مع حجم الكذبة حتى ان لم تكن متقنة ، فما بالك اذا تناولها مخرج بارع وممثلون مهرة في فيلم او مسلسل تلفزيوني معد بعناية كبيرة؟ .اخبرني شخص اخر بان الطبيب العدلي ( فلان) كان يتناول الطعام اثناء قيامه بعمليات التشريح ، سألته هل رأيته؟ ، فاجابني : لا ، ولكن ذلك الطبيب هو الذي اخبرنا . لم يجد ذلك الشخص غضاضة في تصديق هذه المعلومة على الرغم مما تنطوي عليه من شذوذ وغرابة واستحالة . الشذوذ : يتمثل في تصديق مقدرة أي انسان حتى ان كان طبيبا عدليا ، على التجرد من العواطف الانسانية المتعلقة بالشعور بالاشمئزاز والغثيان من المناظر المزعجة والروائح الكريهة ، وبخاصة اثناء الاكل ، والغرابة : المتمثلة في تصديق ان ذلك الطبيب لا يجد وقتا للجلوس في مكتبه ليتناول افطاره ، فيأكل على جثامين الموتى . اما الاستحالة : فتتعلق بتصديق مقدرة الطبيب على الامساك بادوات التشريح والتعامل معها ، والتعامل مع الطعام وتناوله في آن واحد ، هذا بصرف النظر عن التلوث والسلامة الصحية والموقف الديني ، لقد قلت في نفسي : ان الذين يصدقون مثل هذه القصة من السهل عليهم تصديق كل المبالغات والخيالات التي تعرضها مسلسلات (CSI) وغيرها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.