الشورجة أو سوق الثلاثاء.. لمحة تاريخية من أين جاءت التسمية؟

هحخهحهحين أمر أبو جعفر المنصور ولده المهدي بإنشاء الرصافة في الجانب الشرقي، لم يكن المقصود بهذا الاسم الا مستوطنة صغيرة تضم قصر المهدي نفسه، وبيوت جنده وعدداً من موظفيه وأهليهم، وكان الجانب الشرقي خالياً من العمران شغلته بساتين وحقول يزرعها أهل تلك النواحي باستثناء سوق قديم هو (سوق الثلاثاء)، وقد سمي بذلك الاسم لانه كان يقوم عليه سوق لأهل كلواذى وأهل بغداد (قبل ان يعمر المنصور بغداد) في يوم الثلاثاء مرة واحدة من كل شهر، فنسب الى اليوم الذي كان يقوم به السوق، والمتاجرون فيه هم أهل القرى المجاورة والزراع القريبون منه، فهو أشبه ما يكون بسوق زراعي مثله مثل أسواق أخرى في المنطقة لعل أهمها سوق بغداد نفسه الذي كان يقع في الجانب الغربي قرب مسجد براثا (المنطكة)، 

وكما قلنا فقد سبقت هذه الأسواق تأسيس بغداد، وحينما أمتد العمران من الرصافة في أعلى الجانب الشرقي الى المناطق الجنوبية منه وجدنا القصور الفخمة تشيد على نهر دجلة، وقد أحاطت بها حدائق مزهرة ويفصل بينها وبين دور ودساكر كان يشغلها أيضاً (القصر الحسني) وقصر الثريا وقصور متفرقة هنا وهناك، وهكذا جاورت القصور الأسواق الزراعية مكونة النسيج الاجتماعي والعمراني الأول الذي سيصبح فيما بعد مدينة بغداد بصورتها التي عرفناها في العصور العباسية الأخيرة.وكان سوق الثلاثاء واحداً من أهم تلك الأسواق وقد ساعدنا بقاء اسمه المعروف على معرفة موقعه بدقة حتى بعد ان تغيرت وظائف المكان وتزاحمت فيه المؤسسات المختلفة فإذا به يشغل حيزاً واسعاً من الجانب الشرقي يمتد من مدخل شارع الرشيد من جهة الميدان وحتى نهاية سوق باب الأغا، وبمرور الزمن وكثافة السكن في تلك المنطقة تحولت أجزاء من سوق الثلاثاء الى محال سكنية جديدة منها درب دينار الكبير ودرب دينار الصغير ومحلة الحظائر ومحلة المقتدية وغير ذلك، أما الجزء الذي ظل محتفظاً بوظيفته التجارية فقد أصبح نواة لأسواق أخرى غلب عليها التخصص، وكان أهم تلك الأسواق سوق اشتهر بتخصص باعته بتجارة المواد العطرية والتوابل والافاويه عرف بسوق الريحانيين، وكان هذا السوق يقع في آخر سوق الثلاثاء ويمتد على هيئة قوس كبير شرقاً حتى يصل الى محلة عرفت بالمأمونية نسبة الى قصر المأمون وقصر التاج الذي أصبح فيما بعد المقر الرسمي للخلافة العباسية والذي يقع على نهر دجلة، وأطلق اسم منطقة المأمونية خارج هذه الأسوار.
ونظراً لأهمية المواد والسلع الداخلة في تجارة هذا السوق فقد تحول الى مركز تجاري نشيط في بغداد ابان القرون العباسية المتأخرة، وزاد من أهميته ان السور الخارجي لدار الخلافة شيد موازياً لهذا السوق وأصبح بذلك مجاوراً لأهم مركز اجتماعي في بغداد كلها، وبظهور المؤسسات الثقافية والدينية حول دار الخلافة وبجوارها مثل جامع القصر الذي سمي في العصور المتأخرة بجامع الخليفة ثم بجامع الخلفاء والمدارس الكثيرة التي أسسها الميسورون الفضلاء في النواحي المجاورة ابتغاء للأجر والثواب وأضحى السوق الطريق الرئيس الذي يربط بين هذه المؤسسات، فعن طريقه يمكن للسالك من سوق الثلاثاء (باب الأغا) ان ينفذ الى الموضع المعروف قديماً يعقد المصطنع (قاضي الحاجات)، ومن هناك يمكنه ان يمضي جنوباً باتجاه المأمونية (الدهانة، القشل، صبابيغ الآل، سراج الدين) أو ان يمضي شمالاً باتجاه درب الملاحين (محلة أبي سيفين وجوارها).
لم يكن سوق الريحانيين للتجار وحدهم وانما شهد أيضاً إنشاء بعض المؤسسات الثقافية المهمة على أرضه منها (دار الريحانيين) التي شيدها الخليفة العباسي الأخير المستعصم بالله لتكون داراً للعلم والعلماء وأنشأ فيها خزانة حافلة بكل ما هو مهم ونفيس من الكتب في ذلك العصر، وكانت للدار أروقة على نحو ما هو مشاهد في مباني (دار المسناة الناصرية والقصر العباسي والمدرسة المستنصرية) ويمكن تقدير موقع دار الريحانيين هذه في مكان يقرب من مدخل سوق الشورجة الحالي حيث كان يقع خان جني مراد.
ومن الجدير بالتنويه ان حريقاً شب في هذا الخان في أواسط القرن الحادي عشر الهجري أحدثه اليهودي كان يعمل فيه لقصد في نفسه، أدى الى انهيار جناح من الخان فانكشف على الفور رواق قديم يضم حجرات عقدت على نمط بديع من البناء، والظاهر ان هذا الرواق لم يكن الا جانباً من دار الريحانيين.وفي ربيع الآخر عام 512هـ احترق سوق الريحانيين وسوق عبدون وكان حريقاً مشهوداً، وكان من عقد الحديد وحمام السمرقندي الى باب درب الضرب وخان الدقيق والصيارفة، كما أحترق خان (جني مراد) مرتين عام 1938م.ومن المنشآت الملفتة للنظر في أطراف السوق نفق كان يمضي تحت الأرض بادئاً من قصر التاج على دجلة مقابل الإطفاء النهري ومخترقاً محلات دار الخلافة وسورها حتى يخرج السالك فيه الى الجامع مباشرة ليكون ممراً سرياً يحجب الخليفة عن العامة اثناء خروجه الى الصلاة أيام الجمع والعيدين.وبالرغم من جمالية تسمية الريحانيين وشاعريتها، الا ان السوق عرف بالعهود المتأخرة ولعلها مما تلا الاحتلال المغولي لبغداد باسم سوق العطارين لان أكثر ما كان يباع في هذا السوق يدخل في إطار العطارة يوم كانت هذه الحرفة تعني فضلاً عن تزويد البيوتات بافاويه الطعام ومطيباته ومستلزماته بيع المواد الصيدلانية والأعشاب.
وفي القرن الحادي عشر أطلق على السوق تسمية جديدة لم تخل من غرابة، فقد أنشأ بعض الناس في هذه السوق حماماً ذا بئر مالحة فعرف الحمام (شورجاه) وترد هنا آراء وروايات عدة في تفسير كلمة الشورجة، فالعلامة المرحوم الدكتور مصطفى جواد ويرى رأيه كل من الشيخ جلال الحنفي والدكتورين الفاضلين عماد عبد السلام رؤوف وحميد مجيد هدو انها مشتقة من اللغة التركية أو الفارسية (شورة = الملح) (جاه أو كاه = نسبة أو مكان) ومع مرور الزمن واشتهار الحمام أصبح اسمه يطلق على جواره، بل على جانب من سوق العطارين نفسه ثم تداخلت التسميات وتعايشت حتى غلب اسم الشورجة على سوق العطارين.
اما الرؤية الثانية: فيرويها الأخ الأستاذ سالم الألوسي حيث يقول: في الندوة الثقافية التي ادارها بالمشاركة مع العلامة الدكتور مصطفى جواد في آذار 1963م وكانت الندوة مخصصة للاسئلة التي ترد من المشاهدين.
وقد ورد سؤال عن معنى كلمة الشورجة وأصلها التاريخي، فأجاب الدكتور جواد: ان الشورجة تقع في منخفض عن الأرض وبطبيعة الحال تتجمع المياه في هذه الأماكن المنخفضة وتتصف هذه المياه بالملوحة (شورة = الملح)(كاه =المقام أو المكان) وبهذا يكون المعنى = المكان المالح أو الماء العسر.
وقد عقبت والكلام ما زال للسيد الألوسي على كلام العلامة جواد: ان لي رأياً آخر يمكن ان يفيد في تخريج معنى كلمة الشورجة وهو ان جانباً كبيراً من محلة الشورجة كانت فيها معاصر (للسيرج) الذي يستخرج من السمسم (عصير السيرج) والسيرجه كلمة تطلق على معاصر السمسم، ثم تحرفت الى الشيرجه فالشورجة، ويرى السيد شاكر جابر الرأي نفسه.
أما الرواية الثالثة: ان في زمن العثمانيين كان الحمام المشهور في المنطقة الشرقية في بغداد للرجال (الحمام المالح) وانما سمي بذلك لملوحة مائه، وكان يستقي ماءه من بئر كرد عظيمة في جواره وأراد أهل الدهانة إنشاء حمام جديد في منطقتهم وحاولوا ان يوصلوا اليه الماء من دجلة فقدموا طلباً للسلطات ذكروا فيه انهم يرغبون في نقل الماء من دجلة الى جامع سوق الغزل، فاستأذنوا في إيصال الماء اليه بوساطة قنى تحت الأرض مرت بزقاق (طاق البصرواي) حتى وصلت الى جامع سوق الغزل، ولما كان الحمام يأخذ ماءه من نهر دجلة مباشرة كان أقل ملوحة من ماء الحمام الذي كان يستقي من البئر، ولذلك سمي الحمام الجديد (شوره جاه) ومعناه بالتركية الأقل ملوحة وأصبح اسمه حمام الشورجة وسميت المنطقة باسمه منطقة الشورجة.التعامل التجاري كان أصحاب المهن في منطقة الشورجة أمثلة رائعة للأمانة وحسن التعامل التجاري الصادق المنطوي على الالتزام بالتقاليد والأعراف التجارية بغض النظر عن ميول وقوميات المتعاملين فيها ودياناتهم التي تمثل السمة البغدادية الأصيلة الحقيقية التي عرفت بها بغداد.
لم يكن سوق الشورجة مختصاً ببيع نوع معين من أنواع السلع التجارية، وانما حوى كل أنواع التجارة على اختلاف أنواعها وتناقضاتها، فنجد هناك باعة سلعة من السلع المتجمعة في قسم من هذا السوق تجاورها جماعة ممن يتعاطون تجارة أخرى يمكن ان نسلسلها كما يأتي:
سوق العطارين: وفيه باعة السكر بأنواعه (المكعبات والبلوري والملون والقند) والشاي والقهوة وكانت تستورد من جنوب شرق آسيا واليمن، وكان هناك سوق صغير يجاوره خاص ببيع الصابون سمي (سوق الصابون) الا انه الآن تباع فيه أدوات الزينة السوقية ويعود السوق الى جميل إبراهيم العزيز، وقد احترق في الثلاثينيات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.