كيف يرى مدون غربي أدب نجيب محفوظ؟

فغعف

أفراح القبة”، رواية للكاتب المصري الحاصل على جائزة نوبل نجيب محفوظ. كتب محفوظ الرواية عام 1981 في مرحلة متأخرة من حياته الأدبية، التي بدأت سنة 1932، مع روايات عن مصر القديمة وانتهت بقصة “السماء السابعة” (من مجموعته “الحب فوق هضبة الهرم”، التي ترجمت للإنجليزية بشكل منفصل عام 2007).رغم أن “أفراح القبة” في ترجمتها الإنجليزية لأوليف كيني لا يزيد عدد صفحاتها على 172 صفحة؛ إلا أنها تتميز بالتعقيد فيما يخص الفكرة، كما أنها غنية بالأوصاف التي تصور اختلال الأسرة في قاهرة غير محددة بزمن، رغم وجود علامات ظاهرة على منتصف القرن العشرين.وعلى عكس “اللص والكلاب”، التي كتبها محفوظ قبل الرواية التي نحن بصدد مناقشتها بعشرين عامًا، لا يتبع السرد خطًا مستقيمًا لشخصية واحدة؛ بل يتبادل السرد أربع شخصيات يتحدثون بضمير المتكلم، وهم أعضاء فرقة مسرح بالقاهرة يصفون الأحداث والعلاقات التي تصب في النجاح غير المتوقع، والفضائحي لمسرحيتهم الجديدة، التي تمثل فيها الشخصيات حيواتهم الحقيقية، ويظهر بالتأكيد السؤال المحير في الفرق بين ما هو واقع وما هو من نسج الخيال.وقد أشار البعض إلى رواية “الصخب والعنف” لوليام فوكنر كمرجع لبناء “أفراح القبة”، ولتأثيرها حتى على الأسلوب الذي يستخدمه محفوظ هنا. وصحيح أن الروايتين تحتويان رواة أربعة يكتمل معهم السرد تراكميًا في نهاية المطاف، بينما يبدو الأمر ضبابيًا في البداية؛ إلا أن محفوظ في تعليقاته السابقة عن الأدب الإنجليزي، الذي كان يقرؤه بالإضافة للآداب الفرنسية بنهم، لم يبد أي إعجاب بأعمال فوكنر؛ فلم يكن يحب كتاباته، وكان يصفها بأنها “معقدة للغاية”. وعلى الرغم من استخدام محفوظ للعديد من عناصر الأدب الحديث في عصره، فقد كان ينأى بنفسه عن إعادة تشكيل الكلمة المكتوبة، والتي كانت رائجة في عصره. وتعجب محفوظ مرة قائلًا: “إنه لرجل مجنون من يستطع قراءة عوليس”.كان تحيز محفوظ للواقعية حتى مع استخدامه للمونولوجات الداخلية، والقطع، وغيرها من الأدوات.الأدب نفسه كان جديدًا نسبيًا في العالم العربي عندما بدأ الكتابة، فلم يكن لديه العديد من النماذج لتتبعها، أما الحكي بالعربية فقد كان يعتمد الموضوعات والأنماط التقليدية، وحكايات الأغنياء والفقراء، وأمثلة التقوى، والقدر، والحظ ومكافآت وأحكام الله؛ وبذلك لم يكن النضال اليومي داخل المجتمع أو العائلة أو الذات من الأشياء التي تستحق القص. يستخدم محفوظ مشاهد من حياته الخاصة في العديد من رواياته، ربما من بينها “أفراح القبة”؛ حيث تدور الفكرة الأساسية حول ما إذا كانت المسرحية التي كتبها عباس كرم يونس، أحد الرواة، وابن لراويين آخرين: حليمة الكبش وكرم يونس حقيقية أم خيالية.
“طارق رمضان” الممثل هو من تبدأ بحديثه الرواية، وهو يقدم لنا الشخصيات الرئيسة والمشكلة المركزية، المسرحية.يقول: “فقلت بحدة: ما هي بمسرحية. إنها اعتراف، هي الحقيقة، نحن أشخاصها الحقيقيون“.يقدم طارق لنا أيضًا كل الخلفيات عن الأسماء والأشياء، لكنها تكون غامضة في هذا الجزء من الرواية.“يقتحمني انفعال قهّار عند رؤية النعش فأجهش في البكاء مغلوبًا على أمري. كأنه أول نعش أراه. الدموع في عينيّ مثلي مثيرة للدهشة. ألمح السخريات من خلال الدمع مثل ثعابين الماء“.يأتي هذا النعش في النص بشكل غير متوقع جعلني أتساءل عما إذا كان هناك خطأ في تحرير الرواية أدى لحذف جملة أو اثنتين. هل يظهر النعش في المسرحية، أو في “البروفة” التي كانت الشخصيات قد انتهت منها للتو؟ هل هو نعش “تحية”، إحدى شخصيات المسرحية، والتي تموت بعد 26 صفحة من الاقتباس المذكور أعلاه؟ في النهاية قد لا يهم هذا الأمر، فالخلط بين الواقع والخيال من الموضوعات المركزية بداخل الرواية. لكن، في لحظة القراءة يدخل عليّ الارتباك؛ وهو أكثر من مجرد غموض، قد نوافق طواعية على المرور به مرور الكرام حتى تتضح الأمور. لذا؛ سيمثل هذا الارتباك عائقًا أمام بعض القراء. إنه لمن الأعمال الفذة لقارئ غربي أن يتخيل مسرحًا ومسرحية فضائحية في القاهرة، حتى في حقبة الثمانينيات، خاصة لو كان من يقرأ في عام 2010 بعد سنوات من قراءته عن عودة ظهور الإسلام شديد الأصولية والمحافظة مجددًا. (محفوظ نفسه أصيب بطعنة في الرقبة نفذها أحد المتطرفين عام 1994، وعلى الرغم من أنه نجا من الموت؛ إلا أنه ظل يعاني من تلف دائم بالأعصاب). هل هناك حقًا مسارح في القاهرة؟ هل هناك علاقات بين الرجال والنساء قبل الزواج؟ هل يلعن الأزواج زوجاتهم بألفاظ خادشة للحياء؟ ربما يأتي من نفس قلة معرفتي مفاجأة اختلال الأسرة، تقريبًا مثل الاختلال الكبير في أسرة تيرون في مسرحية الأمريكي “يوجين أونيل” “رحلة النهار الطويلة خلال الليل”. هناك بالطبع بعض التحديات التي تواجه المترجمين في كل فقرة من كل كتاب، لاسيما تلك الكتب التي تكون لغتها مبتكرة؛ فيبدو بعض الغموض في الصور والتشبيهات، ويزداد الأمر صعوبة حين تترجم من لغات وثقافات غير غربية إلى الإنجليزية فالفرنسية أو الألمانية أو حتى الرومانية أسهل في النقل إليها، أضف إلى ذلك الدور الرائد لمحفوظ في بلده ومحاولته تطويع لغة اليوم للحصول على معنى مباشر وثري في ذات الوقت، دون اللجوء للغة قديمة مليئة بالمحسنات والزيادات ذات النمط التقليدي. إذن؛ لديك صعوبات الترجمة التي لن تصل دائمًا إلى الحل الأفضل فيها، حتى وإن كان مجمل الترجمة مقبولًا بدرجة كبيرة؛ فاللغة لن تمثل عائقًا إلا في الحالات التي يستخدم فيها الكاتب أساليب تؤدي إلى ذلك.“أفراح القبة” عمل مؤثر جدًا لكاتب عالمي. واجهتني بعض الصعوبات أثناء قراءة الرواية؛ فهي ليست صالحة للقراءة السريعة غير المتأنية. لذا؛ عليك أن تكون مستعدًا للتساؤل قليلًا والتفكير. عن نفسي، كتبت قائمة بالأسماء المصرية غير المألوفة لدي لمساعدتي في الحفاظ على المسار أثناء القراءة. في نهاية المطاف، سوف يرضيك العمل حين تحل الشخصية الأخيرة الأحجية وتكتمل الأجزاء. أظن القراء سيريدون قراءة المزيد من أعمال محفوظ، تلك القصيرة، أو حتى “ثلاثية القاهرة” العظيمة التي كتبها بين عامي 1956 و57.يقول الكاتب الفرنسي من أصول مغربية “الطاهر بن جلون”: “لن تستطيع فهم مصر دون محفوظ، ودون شخصياته التي تجد صدى لدى كل قارئ، عربي أو أجنبي“.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.