مهن منقرضة العربنجي.. مهنة خلدتها الذاكرة البغدادية

خهحع

سادت في بغداد مهن وحرف فرضتها المرحلة التاريخية والحاجة الاجتماعية والتقدم العلمي ومقدار التطور وفي بغداد خلال القرن العشرين وحتى نهايته كانت هناك مهن الفها البغداديون وتعاملوا معها يوميا او اسبوعيا او كانوا يرونها امامهم منها من تطور وظل الى يومنا هذا ومنها من غادر بسبب البديل او التطور العلمي ومن هذه المهن ما سأذكر بعضها في هذه المقالة التي هي موجز قصير..والعربنجي او الحوذي او سائق العربة وهو الشخص المكلف بقيادة عربة نقل اشخاص او بضاعة وقد تجرها الخيول او الحمير او الاشخاص , وكانت في بغداد هي الوسيلة الرئيسة لتنقل الاشخاص ونقل البضائع الى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأت السيارات بالتوافد تدريجيا الى بغداد وبدأت عملية احلالها محل العربات التي ظلت تشاهد في الشارع حتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي وكان الكثير من البغداديين يفضل العربة في تنقله اذا كان قادرا على دفع اجورها ومنهم الافندية وبعض التجار والموظفين.
كانت مهنة العربنجي من المهن التي توازي سائق سيارة الأجرة في ايامنا هذه وكان الأفندية من اهل بغداد لهم عربنجيه خاصين بهم يتعاملون معهم ومنهم (جوقي العربنجي) الذي كان يؤجره الباشا نوري السعيد من سراي الحكومة في الميدان الى دار سكنه في الصالحية ولهذا الرجل قصه مع البلدية في منتصف السبعينات عندما كان لايزال يعمل على العربة في نقل اللحوم من مجزرة الرصافة الى القصابين في صوب الرصافة في الفضل والباب المعظم والعوينة وباب الشيخ وفضوة عرب والصدرية وعكد الكراد، وعندما اصدرت البلدية امرا بمنع العربات من الدخول الى المجزرة توقف عمل (جوقي) وقام وفد من اصحاب العربات بمقابلة مدير البلدية وعرض شكواهم واقترحوا اذا كان الامر صعبا وغير قابل للتنفيذ فعلى الاقل السماح لـ (جوقي) فقط بالدخول لأنه كبير السن وليس لديه مصدر رزق غير العربة وعرض الامر على مدير عام البلدية بهذه الحالة مع تذكيره بأن هذا الرجل قديم وكان العرنبجي الخاص مال الباشا السعيد، فأصدر امرا بإعادة جميع العربات الى العمل داخل المجزرة اكراما لـ(جوقي) والى الباشا السعيد. وشيخان العربنجي (شيخان ) وهو من شمال العراق وكان مشهوراً بالاحتجاج او التندر او الاستهزاء وكان هذا الرجل من الشعراء ويقال ان اخاه كان من ضباط الجيش وحاول عدة مرات ان يجد له صنعة او عملاً آخر لكنه كان يرفض حتى ان يذكر اخيه وتوفي وحيدا في احد اصطبلات الخيول في الميدان رحمه الله.
كانت العربات تجوب شوارع بغداد وشارع الرشيد والسعدون ومنظرها وهي تدق معزوفة بأرجل الخيل وصوت المنبه الذي يضرب بوساطة قدم الحوذي وكثيرا ما يضايقها اصحاب السيارات ولكنه لابد ان يستمر بالعمل لأنه مصدر رزقه وكانت اجرتها نصف اجرة السيارات تقريبا ولكنها كانت ابطأ بالتأكيد.وكانت هذه العربات تتجمع في مبيت لها اشبه بالكراج ليلا وتتوجه للعمل في الصباح الباكر ولم تكن تخلو من المعاضل والمشاكل ولكنها ايضا كانت مليئة بالطرائف، واذكر من الطرائف كانت اذا مرت عربه من شارع (السكة) وهو الشارع الممتد من جسر الشهداء الى سوق الجديد /التكارته /الجعيفر/ الى الرحمانية – الكاظمية يسمع نفس الأسطوانة كل يوم عدة مرات حيث كان الشباب يصيحون بأعلى صوت (راح تحل) اي هل آن موعد انتهاء العمل ولكنهم كانوا يقصدون بها شيئاً آخر وكان العربنجي يزعل ويرد بكلام يغضبهم.وايضا من الطرائف عندما يكون هناك بعض الاطفال يركبون في مؤخرة العربة بين العجلات وكان العربنجي يضربهم بالقمجي وكثيرا ما تكون الضربة بأحد المارة او بالركاب وايضا عندما يتوقف الحصان ويرفض السير او يقوم بحمله او ما شابه ذلك في الشارع العام امام انظار الناس. كانت وظيفة العربنجي غير مستحبة ومن يكنى بها يتبادر الحصان الى الذهن مباشرة ولكون العمل يكون مع الحيوان فانه يتسم بالدونية, هكذا كانت النظرة.. اليوم بعد ان اختفت تلك العربات الجميلة و”العربنجيه الاسطوات” ونجد اليوم عربات من نوع اخر تزخر بها بغداد ومنها عربات (بيع النفط) وعربات (بيع العتيك) وعربات نقل المواد في الاسواق بعد اكثر من 40 عاماً تقريبا على اختفاء العربات الحقيقية… واصبحت كلمة (عربنچي) كلمة منقرضة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.