الضمير الوطني

بمساهمةِ عدد من الأشخاصِ، الذين قادتهم نزواتهم يوماً إلى امتهانِ اللصوصية، شرع نهاية العام الماضي فريق عمل متخصص بعمليةِ ترميم آثار مدينة ( بومبي )، التي تعد من أهمِ المدن الإيطالية عراقة وأكثر مناطقها جذباً للسياح، بعد أنْ فرضت يقظة الضمير ( الإنساني ) على مجموعةِ سراق من ضمنِهم سيدة، إعادة بقايا من آثارٍ ومقتنيات قاموا بسرقتِها في عام 1979 م إبـّـان دفن هذه المدينةِ التاريخية وتعرضها إلى التدمير بشكلٍ مفاجئ بفعلِ ثورةِ بركان جبل ( فيزوف ) شرقي مدينة نابولي، الذي يعد الثائر الوحيد في القارةِ الأوروبية.

اللافت للانتباه أنَّ الإعلانَ عن لحظةِ الشعور بالذنبِ حيال التصرف غير المشروع بموجوداتِ هذه المدينةِ الرومانية القديمة، أشعلت فتيلها سيدة كندية قبل شهرين من بدءِ عملية الترميم حين أعادت قطعة تعود لآثارِ مدينة بومبي، كانت قد سرقتها يوم زارتها قبل نصف قرن؛ لأجلِ قضاء شهر عسلها، الأمر الذي أثار فضول وسائل الإعلام العالمية في محاولةِ البحث عن السيدةِ الكندية؛ لإجراءِ مقابلات معها سعياً في التوصلِ إلى تفاصيلٍ أخرى، إلا أنَّ ما زاد من أهميةِ الحدث تمثل بكشفِ مدير هذا الموقعِ الأثري عن تسلمِ متحف المدينة مئات القطع والمقتنيات الأثرية التي سُلم كثير منها في سنواتٍ ماضية سبقت نشاط المرأة الكندية، فضلاً عن تميزِ بعض إجراءات عملية إعادة القطع الأثرية بما يعبر عن شجاعةِ سراقها، الذين لم يتوانوا عن الاعترافِ باكتشافِ أخطائِهم بالغة الجسامة، وإظهار مقدار ندمهم، بالإضافةِ إلى أسفِهم عن أفعالٍ شائنة ارتكبوها فيما مضى، عبر رسائلِ اعتذار حررها من يمتلك جرأة الاعتراف بالخطأ، وأرفقها صحبة ما أعاده من موادٍ إلى المدينة. ومن المهم الإشارة هنا إلى أهميةِ القطع المعادة في مهمةِ إعادة ترميم المنطقة التاريخية، التي يتوجه إليها نحو ( 2.5 ) مليوني زائر سنوياً بحسب ما أعلنته إدارتها التي نوهت إلى ضرورةِ فرض الحكومة إجراءات أمنية مشددة؛ لأجلِ وقف المحاولات الخاصة بسرقةِ المقتنيات التاريخية من المواقعِ الثقافية والأثرية والتاريخية.

أناسُ ممن جرفتهم الأهواء للتجاوزِ على تاريخِ المدينة الإيطالية القديمة، التي تعد حالياً ضمن قائمة المواقع الأثرية العالمية لمنظمةِ اليونسكو، والعبث بموجوداتِها في مخالفةٍ قانونية صريحة ترقى إلى مستوى الجريمة التي يحاكم عليها القانون، لم يجمعهم على اختلافِ أصولهم، وتباين معتقداتهم، وتعدد ثقافاتهم، سوى شعورهم بذنبِ ما اقترفته انفسهم قبل سنوات طويلة، فكان أنْ ساهمت صحوة الضمير الإنساني بتوحيدِ رؤاهم ولو بشكلٍ منعزل صوب العمل على إعادةِ ما اكتنزوه لسنواتٍ من غيرِ وجه حق إلى مكانه الآمن.

إنَّ ما حملته تجربة أعوام العراق الماضية من وقائعِ فساد صادمة الأثر في ثناياها، تلزم الجميع تكثيف الجهد المجتمعي الساعي إلى محاولةِ مواجهة ما استشرى من آلياتٍ لترسيخِ ثقافة الفساد في أوساطِ مجتمع عرف بنبلِ قيمه، فضلاً عن تشدده في نبذِ جميع ما يمس السلوك القويم؛ لأجلِ تحصين مجموعة المزايا السلوكية المتعلقة بحسنِ سمعة الفرد، بالإضافةِ إلى الحرصِ على معالجةِ كل ما يمكن أنْ يؤثرَ من الفعالياتِ سلباً في الوظيفةِ الحكومية التي يشغلها أو المهنة التي يمارسها.

على وفقِ ما تقدم، لا جدال في أهميةِ تحفيز اليقظة المفترضة للضميرِ ( الوطني )، الذي بوسعه مواجهة ما ظهر من شيطانيةِ ألاعيب المفسدين، التي ما تزال جسامة تداعياتها تنهش بجسدِ الوطن المثخن بجراحاتٍ غائرة لم تندمل بعد، ولاسِيَّمَا ما نهب من خيراتِ البلاد وثرواتها على مدى السنوات الماضية، فإذا كان ترميمُ مدينة بومبي الإيطالية جرى عبر توبة لصوص تحت عنوان يقظة ( الضمير الإنساني )، فإن هناك من ينتمي لشعبِنا، وما زلنا بانتظارِ يقظة ضميره ( الوطني )، بوصفه البذرة الأولى لإصلاحِ النفس، التي تشكل اللبنة الأساسية في عمليةِ بناء البلاد، فهل من مبادر؟

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.