من الذاكرة البغدادية الجرخجي رمز الأمان والإطمئنان لأهالي المحلة براتب 350 فلساً شهرياً

 

إرتبط إسم الجرخجي أو البصوانچي أو الحارس الليلي أو الوحاش، في الذاكرة البغدادية والذاكرة العراقية عموماً بأيام التماسك الإجتماعي والتآلف الحميم الذي كانت تعيشه الأحياء السكنية بحيث كان (الچرخچي) يشكل واحداً من أهم أركانها، جنباً إلى جنب مع (المختار)، ومأمور المركز، ومأمور البلدية المسؤول عن نظافة الأزقة وعدم وجود مخالفات تؤذي الناس.وقد يضاف إليهم قارئ مقياس الكهرباء والبوسطجي (موزع البريد)، وفي ليالي رمضان يبرز (المسحرچي) كركن من أركان الحي البغدادي والعراقي عموماً.
هل تتذكرون الحارس الليلي (الچرخچي) يوم كان رمزاً للأمان والطمأنينة في نفوس أبناء المحلة، بل كان واحداً منهم، يحفظ أمنهم وسلامتهم ويحرس دورهم، ويجول في الأزقة والأسواق يحمي الناس والممتلكات ويشيع الطمأنينة في قلوبهم بصافرته أو بصوته الجهوري وهو ينادي على احد البيوت ينبهم على اقفال بابهم التي نسوا اقفالها او كان يناديهم لفتح بابهم لاحد افرادهم وهو عائد متأخر بعد منتصف الليل من العمل او من سهرة سمر وأنس!!
((أذكر مرة في أوائل الستينات بقينا ساهرين في الليل لسبب ما وبقيت الإنارة في (الحوش). سمعنا طرقاً على الباب، وإذا به الچرخچي ((الحارس الليلي) يسأل إن كنا بحاجة للمساعدة بسبب وجود مريض أو غير ذلك لأنه لم يعتد أن يرى أضوية الدار منيرة بعد منتصف الليل. هكذا كانت الحياة في محلات بغداد.. الله يرحم تلك الذكريات الطيبة))
لقد تألمنا حين قرأنا في الأخبار أن قراراً صدر عن الجهات الرسمية يقضي بإلغاء العمل بنظام الحراس الأهليين أو الليليين لعدم جدواه. ولا ندري ما السند فيما ذهب اليه قرار الالغاء؟
فللحراس الليليين تاريخ في الموروث الشعبي البغدادي، بل وسائر مدن محافظات العراق العزيز. فالحارس الليلي (الچرخچي) مهنة شعبية تراثية اجتماعيه سادت في معظم مدن العراق الحبيب.
الچرخچي كلمة تركية استخدمت في اللهجة العراقية وتعني الحارس الليلي، و(جَرَخ) يعني دائر أو دورة، والأسم متأتٍ من دورانه في الأزقة، ويسمى أحيانا النوبجي، ويعني الذي يأتي بالنوبة، أي بوقت معين أو مدة عمل محددة، كما يسمونه في الجنوب بالبصونجي، وأحياناً (الوحاش) لأنه يخرج في وحشة الليل. أما في مصر وبعض البلدان العربية فيسمى بالخفير.
منذ تأسيس دولة العراق الحديثة (1921) تم ربط الحراس الليليين بمراكز الشرطة، وكانت مهمتهم إعانة الشرطة بحفظ الأمن ومنع وقوع السرقات في مناطق عملهم، وكانوا يرتدون القميص الخالكي أو السترة الخاكية حسب الموسم مع البنطلون الخاكي ويلبسون العقال واليشماغ ويضعون علامة الشرطة على العقال، وتم تزويد كل منهم برقم معدني يرمز له ويحمله على صدره. وغالباً ما كان يتم تعيين الشرطة المتقاعدين بوظيفة حارس، بسبب خبرتهم ومعرفتهم الأمنية والقدرة على استخدام السلاح ان تطلب الأمر، وكان لايقبل تعيين حارس إلا إذا تجاوز الأربعين من العمر.
كان الحارس الليلي رمزاً يمثل الامن والامان والطمأنينة في نفوس الناس المتعبة من عناء اعمال النهار وتبعاته لتنام مسترخية مطمئنة.وعندما كنا صغارا، وفي ليالي الشتاء الباردة المظلمة، كنا نجلس في (رازونة شباك) البيت المطل على الشارع العام لنتطلع على مرور الحارس الليلي وهو بملابسه الخاكية، يعتمر في راسه اليشماغ والعقال المعلق عليه النجمة الخماسية النحاسية (علامة الشرطة)، وعلى صدره شارة مكتوب عليها رقمه، ويعلق البندقية الانكليزية على كتفه وبيده الدونكي الخشبي ويمسك بيده الاخرى الصافرة ويضع في حزامه حربة، مع علبة جلدية صغيرة يضع فيها الاطلاقات، وهو يمضي في الشارع يتلفت يمينا ويساراً يراقب المحلة ويتاكد من اقفال ابواب البيوت والدكاكين ويرد بصفارته على صوت صافرة دورية افراد الشرطة المكلفة بمراقبة الحراس الأهليين. وفي صبيحة أول يوم من ايام عيدي الفطر والأضحى، كنا نشاهد الجرخجي وهو يلف على بيوت المحلة مهنئاً بالعيد منتظراً ما تجود به الأيادي من عيدية.
للحارس الليلي مواقف انسانية اخرى غير الحراسة، حيث كنا نراه يهرع الى مساعدة ابناء المحلة اثناء تعرضهم ليلاً الى الحوادث كالحريق او المرض .. ومازالت ذاكرتنا تختزن الكثير من حكايات جرخجي المحلة وما يواجهه من احداث وطرائف، فالحارس كان يستفسر من أصحاب البيت إن وجدهم متأخرين في الرقود أو شاهد أضوية الدار مفتوحة بعد منتصف الليل.
شروط تعيين الحارس الليلي:
في حديث صحفي تحدث السيد عباس وهو أحد الحراس الليليين القدامى في بغداد عن ذكرياته في الحراسة الليلية يقول : (عندما دخلت بغداد لاول مرة قادما من قضاء الحي وعلى وجه التقريب في عام 1926 فقد استهوتني مهنة الحراسة الليلية في حينها كمكسب اضافي لما أعمله نهاراً، رغم ما تتطلبه من مشقة وسهر، فقدمت عريضة الى مدير الحراس في حينها المدعو (ابو زكي) اطلب فيها تعييني كحارس ليلي.
وكانت الموافقة في حينها تتطلب الشروط التالية:
أ- السلامة من الامراض والعاهات بموجب تقرير طبي رسمي.
ب- حسن السلوك والسمعة وعدم المحكومية بجناية او جنحة مخلة بالشرف.
ج- شهادة الجنسية العراقية بالولادة او التجنيس بها بعد مرور خمس سنوات.
د- عدم خضوعه لخدمة العلم.
هـ- يفضل في التعيين من سبقت خدمته في قوات الشرطة والجيش او حراسة السجون لان هؤلاء لهم كفاءة في استعمال السلاح الناري.
يوم كان راتب الجرخجي (ديناراً و350 فلساً) شهرياً:
يقول السيد عباس: (تمت الموافقة على عريضتي لتوفر الشروط اعلاه وارتبطت في مركز الشرطة (القلّغ) القسم الثالث في ابي سيفين وعينت في محلة تدعى (كنكيجة) وموقعها حاليا في المنطقة التي تلي الشورجة حاليا وباستقامة سوق الشورجة بعد شارع الخلفاء (الجمهورية سابقا) وحتى شارع الكفاح (غازي سابقا) وكانت حدود منطقة حراستي ابتداء من نهاية سوق الشورجة مرورا بالعكد الذي يمر بمنطقة كنكيجة الى ابي سيفين، وحتى علوة شيخ عمر (قديما) وكان الاجر اليومي للحارس الليلي في حينها (45 فلسا) (اي براتب شهري لايتجاوز الدينار والثلاثمئة وخمسين فلسا، والذي نتسلمه من ابي زكي وكان يجلس في غرفة خاصة له في القشلة وكان يوزع الرواتب على حراس القسم الثالث كل رأس شهر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.