تاريخ المنارات في بغداد منارة سوق الغزل.. حكايات وأسرار

هنهخحهخ

لم يكتب احد عن منارة سوق الغزل قبل نحو ثلاثة قرون سوى الافرنج اما البغداديون أو غيرهم من العراقيين أو سواهم فلم يرصدوا لها نبذة ولا مقالا بل لم يذكروه ذكرا.ولما احتل البريطانيون بغداد ذهب مهندسوهم الى رؤية المئذنة وفحصوا
ما حواليها فخافوا سقوطها وإتلافها البيوت التي في جوارها إذا هوت فتدفن حينئذ أصحابها تحت الردم. فعزموا على هدمها حقنا لدماء الخلق فأوعزت السلطة المحتلة الى احد الادباء المشاهير ان يكتب مقالا ينشر في جريدة العرب في(سنة1917) ليهيئ الافكار لقبول هذا الخاطر الذي اقلق أرباب السلطة المحتلة. فذهب صاحب الجريدة المذكورة يومئذ الى السير برسي كوكس وأفهمه ان لاخطر عليها لأنها أصبحت كالصخرة الواحدة وقد مضت عليها السنون وهي في تلك الحالة التي يظن انها خطرة وليست بها. فلم يقنع الحاكم المذكور بما قيل له لأنه آلى على نفسه ان ينسفها بالبارود كما نسفت مدخنة “العباخانة” تلك المدخنة التاريخية التي بنيت في نحو سنة 1869 وكانت آية في البناء والمتانة والجمال.
فلما رأى مدير الصحيفة المذكورة ان صاحب الزمام لايرجع عن عزمه اسرع فأخبر بالامر المرحوم السيد محمود شكري الآلوسي ليذهب ويقنع برسي كوكس بأن يعدل عن تحقيق ما دار في خلده. فذهب الآلوسي مع مدير جريدة العرب -وهو صاحب هذا المقال- وحملا الحاكم على أن يترك هذه المسألة الآن إلى وقت آخر الم يرد أن يعدل عن رأيه. فقنع وبعد سنتين كلف مهندس البلدية وهو المسيو شافانيس الفرنسي بأن يقوي كرسي المئذنة بما عنده من الوسائل ففعل. وهي اليوم قائمة على ساقها كما كانت سابقا وتضحك من كل من حاول ان ينظر اليها نظرة الى شيخة متغضنة.
أما مسألة بانيها أو معيد بنائها فبقيت غامضة أشد الغموض. وكل من كتب عنها من الإفرنج منذ نيبهر إلى يومنا هذا. وكذلك قل عن كتبتنا في هذا العصر فأنهم جميعهم لم يتفقوا في أقوالهم عن بانيها أو معيد بنائها. أما الآن وقد أخذ صديقنا المحقق البحاثة يعقوب نعوم سركيس ينشد عن صاحبها في كتب التاريخ فلم يبق ريب في معرفة صاحب هذه المئذنة التي هي زينة الحاضرة ومفخرتها على تعاقب الأيام وها نحن أولا نزف هذه العروس عروس الفكر إلى محبي التاريخ والتطلع إلى الحقائق الراهنة.(انتهى كلام الأب صاحب المجلة).
في نحو وسط جانبنا الشرقي من بغداد في محلة سوق الغزل اليوم منارة منفردة لجامع قديم تعرف باسم المحلة كانت في رحبة من الأرض مستطيلة قليلا تكسيرها نحو خمسمائة متر وفي ثلاث من جهاتها أبواب لدور حقيرة. ثم منذ نحو ثلاث سنوات أحيطت الرحبة بجدار ارتفاعه نحو مترين ونصف. وفي هذه العرصة تباع الغنم صباح كل يوم والمنارة في نحو وسط هذه الرحبة وهي شاهقة البناء تشرف على المدينة وأنحائها من علو لا يماثله علو عندنا (1) وهي كذلك الشيخ الفرد النادر الذي شوهت وجهه تجعدات العتي لكنه لا يزال منتصب القامة متجلدا صابرا على حلو الأيام ومرها. وصبر المنارة على عوامل الطبيعة دليل باهر على تقدم فن الريازة في ذلك الزمن وعلى انتقاء الرزاة مواد بناء من أحسن أنواعها وإتقانهم صنع الآجر وغير ذلك.
وبمقربة من المنارة في غربيها الجنوبي على بضع عشرات من الأمتار مسجد جامع بغير منارة معروف على الألسنة بجامع سوق الغزل. وإذا استقصينا الخبر من الماضي عن الجامع التاريخي القديم الذي بنيت له المنارة أجابتنا صحائف الأخبار انه كان يسمى جامع الخلفاء قبل نيف وثلاثة قرون على اقل تقدير كما سيجيء. وبإيغالنا في تاريخه في ما قبل ذلك نجد انه كان يسمى في القرن السابع للهجرة وما قبله”جامع الخليفة” أو “جامع القصر”.
نشرت جريدة (العرب) البغدادية- في عددها الصادر في 14 أيلول سنة 1917 والمرقم38- مقالة بغير توقيع عن جامع سوق الغزل انه جامع الرصافة وان المنارة التاريخية منارته وشتان بين قولها وبين الحقيقة. ثم نقلت مجلة مرآة العراق(2) تلك المقالة(1: 1327هـ=1919): صمن8 الى9 من عددها الثاني.
ومن الغريب أن كاتب المقالة بعد أن استشهد بابن الأثير عن بناء جامع الرصافة في سنة 159هـ (775م) شهادة لا علاقة لها بجامع الخليفة او القصر أورد عن الرصافة وجامعها كلام معجم البلدان وهو ما يؤيد ان محلة الرصافة على مقربة من مرقد الإمام الأعظم أبي حنيفة وهو المرقد الذي لا يجهله احد في بغداد وموقعه في شمالها يبعد عنها نحو ثلاثة كيلومترات في ما نسميه “الأعظمية” أو “المعظم” على اصطلاح آخر. وذهب أيضا مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث(3) (ص12ح) إلى أن جامع سوق الغزل هو جامع الرصافة وانه في محلة رأس القرية. والصحيح انه اليوم في محلة سوق الغزل.
إن ما قاله الكاتبان لا يفوت الكثيرين لكني رأيت الأجدر أن أنبه على ذلك ولا سيما أن البحث عن جامع الرصافة وجامع الخليفة أو القصر متداخل بعضه ببعض أحيانا. ولهذا أورد شيئا مما كتب عن ذلك متبعا اتساق الكلام غير ملاحظ لتواريخ تأليف الكتب إذ غرضي البحث عن جامع الخليفة ومنارته وبنائها بعد بياني أن كلا من هذين الجامعين هو غير الآخر. قال ياقوت في معجم البلدان:
“رصافة بغداد بالجانب الشرقي. لما بنى المنصور مدينته بالجانب الغربي واستتم بناءها أمر ابنه المهدي ان يعسكر في الجانب الشرقي وان يبني له فيه دورا وجعلها معسكرا له فالتحق بها الناس وعمروها فصارت مقدار مدينة المنصور وعمل المهدي بها جامعا اكبر من جامع المنصور وأحسن وخربت تلك النواحي كلها ولم يبق إلا الجامع وبجانبه مقابر الخلفاء لبني العباس وعليهم وقوف وفراشون برسم الخدمة ولو لا ذلك لخربت وبلصقها محلة أبي حنيفة الإمام وبها قبره…”أهـ.
فلا ادري كيف تسنى لصاحب مقالة جريدة”العرب والمرآة” ان يوفق بين ما قرأه أن المهدي بنى جامعا بالرصافة وبجانبه مقابر الخلفاء… وبجانبها محلة ابي حنيفة وبها قبره. وبين ما يراه بعينه أن جامع سوق الغزل يبعد عن مرقد أبي حنيفة ما يزيد عن ساعة للراجل.
وجاء في مراصد الاطلاع في معنى ما ذكره ياقوت ثم قال: “وقد كانت انقطعت العمارة عنها (عن الرصافة) فبنى المستنصر سورا حسنا بالآجر”(4).
وفي كتاب مناقب بغداد ص33 ما قوله: “قال هلال بن الحسن: (عبرت الى الجانب الشرقي من مدينة السلام بعد الأحداث الطارئة فرأيت ما بين سوق السلاح والرصافة وسوق العطش ومربعة الخرسى والزاهر وما في دواخل ذلك ورواصفه وقد خرب خرابا فاحشا حتى لم يترك النقض جدارا قائما ولا مسجدا باقيا. وأما بين باب البصرة.. من الجانب الغربي فقد أندرس… وصار الجامعان بالمدينة (مدينة المنصور) والرصافة في الصحراء بعد أن كانا في وسط العمارة”.وكان ابن جبير نزيل بغداد في سنة580هـ (1184م) وهذا ما جاء في رحلته ص226 من الطبعة الإفرنجية: “وبعلى الشرقية (الجانب الشرقي) خارج البلد محلة كبيرة بإزاء محلة الرصافة وبالرصافة كان باب الطاق المشهور على الشط. وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان له قبة بيضاء سامية في الهواء فيه قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وبه تعرف المحلة”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.