هل تكفي قرارات العبادي للقضاء على الفساد في العراق؟

NB-122783-635576939017033742

ثورة جديدة يعيشها العراق في ظل استمرار التظاهرات والدعوات المطالبة بالإصلاحات والقضاء على الفساد، الذي تفشى بشكل غير مسبوق في جميع مفاصل الدولة العراقية بسبب المحاصصة الحزبية والطائفية، التي اعتمدتها الأحزاب المتصدية للعمل السياسي في العراق والتي أثرت بشكل سلبي في الواقع الخدمي والأمني والاقتصادي بسبب ضعف أداء الحكومات المتعاقبة، التي عملت الى بناء نفسها وأحزابها من المال العام كما يقول بعض المراقبين، الذين أكدوا ان هذه المشكلات والأزمات الكبيرة ولا مبالاة التي يعيشها ساسة وحكام العراق، كانت سببا في إزهاق الأرواح وتدمير وضياع بعض المناطق والمحافظات المهمة بيد عصابات داعش، التي استفادت من الصراع الحزبي والطائفي وتفشي الفساد وتمكنت من تحقيق بعض أهدافها في العراق، هذه المشكلات والأزمات المستمرة ساهمت بتأجيج وإثارة المواطن العراقي الذي خرج في تظاهرات واحتجاجات كبيرة تطالب الحكومة، بإجراء إصلاحات وتعديلات جديدة مع ضرورة محاسبة والأحزاب والشخصيات الفاسدة، وهو ما دفع رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي الذي حصل على تفويض خاص من قبل الشعب والمرجعية العليا في العراق، الى إطلاق حزمة من الإصلاحات والقرارات التي تهدف الى معالجة بعض هذه المشاكل.وبحسب بعض المراقبين فان حزمة الإصلاحات التي أطلقها العبادي، ربما تكون قرارات صورية غير قابلة لتطبيق الهدف منها امتصاص الغضب الشعبي، خصوصا وان هذه الحكومة هي كغيرها من الحكومات الأخرى مبنية على المحاصصة والاتفاق وتبادل المنفعة، هذا بالإضافة الى الأمور والملفات والتعهدات غير المعلنة التي سبقت تشكيل الحكومة، وهو ما قد يستخدمه البعض كورقة ضغط لتأثير على العبادي الذي يحتاج الى خطوات أكثر شجاعة وجرأة.وفي هذا الشأن قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إنه ألغى مناصب المستشارين في الوزارات وقلص عدد مستشاريه ومستشاري الرئيس ورئيس البرلمان إلى خمسة لكل منهم. وقال العبادي «بناء على ما ورد في حزمة الاصلاحات التي قدمناها والتي أقرها مجلس الوزراء وصادق عليها مجلس النواب. قررنا إلغاء مناصب المستشارين في الوزارات خارج الملاك سواء كانت على الملاك الثابت أم المؤقت وتحديد مستشاري الرئاسات الثلاث بخمسة مستشارين لكل رئاسة.»والخطوة التي اتخذها العبادي هي الأحدث في حملة إصلاحية أطلقها بهدف الحد من الافتقار الى الكفاءة داخل الحكومة والقضاء على الفساد الذي يقول منتقدون إنه حرم العراقيين من الخدمات الأساسية وقوض القوات الحكومية في معركتها ضد تنظيم داعش الارهابي . وكان العبادي قد خفض عدد وزرائه من 33 إلى 22 يوم بإلغاء مناصب أو دمج بعض الوزارات. وكان ألغى من قبل مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الى جانب «تقليص شامل وفوري في أعداد الحمايات لكل المسؤولين في الدولة» كما شجع التحقيقات التي تجري بشأن الفساد ومنح نفسه سلطة إقالة المحافظين والمسؤولين المحليين.وألغى العبادي وزارة حقوق الإنسان ووزارة الدولة لشؤون المرأة ووزارة الدولة لشؤون المحافظات ومجلس النواب، ووزارة دولة إضافية. كما دمج وزارة العلوم والتكنولوجيا بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة البيئة بوزارة الصحة، و وزارة البلديات بوزارة االأعمار والإسكان، ووزارة السياحة والآثار بوزارة الثقافة. من جانب اخر أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي حزمة إصلاحات جديدة أبرزها الاستعداد لفتح المنطقة الخضراء التي تضم مقار الحكومة وبعض السفارات أمام كل المواطنين العراقيين. ووجه العبادي باتخاذ الخطوات اللازمة لفتح أسوار المنطقة الخضراء، التي تضم مقار حكومية، أمام المواطنين، كما أوعز بفتح الطرق المغلقة كافة من قبل أي جهة كانت، مشكلا لجانا قانونية مختصة لمراجعة ما مضى من بيع وإيجار وتمليك لعقارات الدولة، وإعادة الأموال التي فيها غبن في التقييم السابق.وأكد قادة وساسة في البلاد، ومنهم رئيس الجمهورية، فضلا عن نائبه السابق أياد علاوي، على ضرورة أن تبقى الاصلاحات ضمن الأطر الدستورية.. تصريحات يعتقد مراقبون أنها تعبر عن مخاوف من قرارات إصلاحية جديدة وجريئة، ربما تتعارض مع توجهات بعض القادة أو مصالحهم. ورد العبادي على التلميحات المبطنة، وأوضح أن خطواته دستورية، مؤكدا أن الدستور يتضمن فقرات خلافية، وتعديله يتطلب قرارا من الشعب.الى جانب ذلك أمر رئيس الوزراء العراقي باجراء اصلاحات شاملة في السلطة القضائية بعد ان قال المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله السيد علي السيستاني وهو أكبر رجال الدين في البلاد ان ذلك يمثل الاولوية القصوى في حملة جديدة ضد الفساد. وفي أول تعليقات عامة منذ إعلان الإجراءات وصف السيد السيستاني الإصلاح القضائي بأنه أحد أهم مظاهر عملية الإصلاح.وقال الشيخ عبد المهدي الكربلائي المتحدث باسم السيد السيستاني في خطبة الجمعة الماضية « إن الفساد وإن استشرى حتى في القضاء إلا أن من المؤكد وجود عدد غير قليل من القضاة الشرفاء الذين لم تلوث أيديهم بالرشوة ولا تأخذهم بالحق لومة لائم.» وبعد ساعات من خطبة الجمعة أبلغ العبادي السلطة القضائية باتخاذ اجراءات جذرية لضمان مكانة واستقلال الهيئة القضائية وتمكينها من محاربة الفساد وتكريس مبدأ العدالة بين المواطنين. ولم تتضمن الرسالة التي نشرت على تويتر تفاصيل بشأن تلك الاجراءات.ويدعو جزء من حملة العبادي إلى تشكيل لجنة من القضاة المشهود لهم بالنزاهة لإجراء تحقيقات ومقاضاة المسؤولين الفاسدين الذين اتهمهم بالتآمر بهدف التخريب للحفاظ على امتيازاتهم. وشمل نظام الحكم الذي اقيم في ظل الاحتلال الأمريكي العديد من تداخل الوظائف العليا وجرى الاحتفاظ بكثير منها لتقسم على أسس عرقية بين الأغلبية الشيعية في العراق والأقلية السنية والأكراد.وكان الهدف هو الحد من الفتنة عن طريق الحفاظ على حكومة تضم كل الاطياف. لكن العبادي اشتكى من أن ذلك قد شجع على الحزبية العرقية والطائفية ليسود الفساد وعدم الكفاءة مما جعل من المستحيل تقريبا حكم العراق. واتهم منتقدون العبادي بمحاولة جمع الكثير من السلطات في يديه وهو الأمر الذي ينفيه. وقال العبادي «نحن لا نريد أن نعيد (نصيغ) نظاما سياسيا فيه القائد بالضرورة واحد. والباقي صفر على الشمال (غير مهمين)» في إشارة إلى صدام المقبور الذي اطاح به الغزو الأمريكي في 2003. وأضاف العبادي «هذا خطأ وهذه عودة للدكتاتورية لا نريدها. لا أسعى لها ولن أقبل بها.» ودعا السيد السيستاني أيضا لإصلاح الأجهزة الأمنية كما دعا إلى الحد من التفاوت الكبير في رواتب موظفي القطاع العام. وقال الكربلائي «ليس من المقبول أن يحظى بعض كبار المسؤولين برواتب تبلغ عشرات الملايين شهريا في حين لا تبلغ الرواتب الشهرية لكثير من الموظفين ثلاثمئة ألف دينار.»كما وحذر السيد السيستاني من خطر «تقسيم» العراق ما لم تمضِ حكومة حيدر العبادي في تنفيذ «إصلاح حقيقي» لمكافحة الفساد، وحمل السيد السيستاني السياسيين «الذين حكموا البلاد خلال السنوات الماضية» مسؤولية تفشي الفساد، والذي عدّه عاملا ساهم في سيطرة تنظيم داعش التكفيري على مساحات واسعة من البلاد في حزيران/يونيو 2014.وكان العبادي اعلن في 9 آب/اغسطس، حزمة اصلاحية وافق عليها البرلمان، بعد اسابيع من التظاهرات ودعوة السيستاني رئيس الحكومة ليكون اكثر جرأة ضد الفساد ويطبق اصلاحات اضافية. وقال السيد السيستاني «اذا لم يتحقق الاصلاح الحقيقي من خلال مكافحة الفساد بلا هوادة وتحقيق العدالة الاجتماعية على مختلف الاصعدة، فان من المتوقع ان تسوء الاوضاع ازيد من ذي قبل، وربما تنجر الى ما لا يتمناه اي عراقي محب لوطنه من التقسيم ونحوه لا سمح الله».ويعد الموقف الاحدث للمرجع الشيعي الذي يتمتع بموقع وازن في السياسة العراقية، ابرز تحذير من الاخطار التي قد يرتبها تعثر العملية الاصلاحية. وشدد السيد السيستاني على ان «المرجعية العليا طالما دعت الى مكافحة الفساد واصلاح المؤسسات الحكومية وتحسين الخدمات العامة، وحذرت اكثر من مرة من عواقب التسويف وما الى ذلك».

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.