الهروب!!

في ظلِ تباين رؤى الكتل المشاركة في العمليةِ السياسية بشأن سبل إدارة البلاد، فضلاً عن انشغالِها بتبادلِ الاتهامات إزاء المثير من التداعياتِ التي أفرزها ضعف الأداء الحكومي، كانت مخالب السياسة الاستعمارية الاستكبارية تمتد بيسرٍ إلى أعمقِ المستويات المؤثرة في حركةِ المجتمع العراقي، وأكثرها أهمية من خلالِ استهداف طاقته الخلاقة الممثلة بشبابه الواعد، المعول عليه في إرساءِ القواعد الأساسية لإعادةِ إعمار ما دمر من بنى البلاد التحتية وإقامة ما تحتاج البلاد منها، فضلاً عن المرتجى من فاعليةِ المساهمةِ بعمليةِ الإصلاح الإداري الذي تفرضه مهمةُ تحقيقِ الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، حيث أفضتْ حزمة برامج الترغيب التي أعدت سلفاً إلى تشجيعِ الشباب العراقي على الهجرةِ لأرضِ الأحلام!!.

اللافت للانتباه هو سرعة انتشار شبكات التهريب، التي ساهمت في زيادةِ رغبة الشباب في الهجرةِ ( الجماعية ) غير الشرعية خارج البلاد، التي تشكل محطة نجاحها الأولى قدرة المهاجر الوصول إلى تركيا التي ما تزال تلعب دوراً مزدوجاً في السماحِ للعناصرِ الإرهابية بالمرور عبر أراضيها إلى سوريا والعراق، بالإضافةِ إلى تسهيل عملية تواجد المهاجرين على أراضيها، تمهيداً لركوبهم البحر، بوصفها أول المستفيدين اقتصاديا من عمليةِ الهجرة، فضلاً عما يساهم من العواملِ بدعمِ توجهاتها حيال زعزعة الوضع السياسي القائم في بلادِنا.

الأيام الماضية كانت حبلى بما هو مدعاة للاستغرابِ من التفاصيل، التي تعكس في ثناياها مشاق الرحيل عبر قوارب الموت التي كثر ما كانت مراحله تجري بركونِ المهاجرين الشباب قسراً إلى سلوكِ أخطر طرائق التهريب المحفوفة بالإذلالِ والازدراء سبيلاً للهروبِ من ( الوطن )، الذي عده بعضهم وطن الجغرافيا؛ لإخفاقه في تحقيقِ ما سينعمون به في المنافي البعيدة، التي وسموا أياً من مناطقِها باسمِ ( الوطن الأم )، جراء ما تحملوه من آثارِ الظروف العصيبة التي عصفت بالبلاد، المتأتية من إخفاقاتِ الحكومات التي تعاقبت على إدارتِها في تأمينِ حياة كريمة آمنة للمواطنينِ، ولاسِيَّمَا شريحة الفقراء التي تَحَمل أناسها الجزء الأكبر من المعاناةِ اليومية. إذ ما لبث أنْ بدأت الأخبار تتوالى بشكلٍ متسارع ومقلق عن محنةِ ( الهروب ) الجنونية، التي اكتنفتها أحداث مؤسفة، أكثرها أسىً موتُ بعض الشباب غرقاً.

تشعر بانكسارٍ وأسى، وانت ترى وتسمع عن غرقِ أو إذلال مهاجر كان يوماً يتغنى بمقولةِ السياب ( الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام حتى الظلام هناك اجمل، فهو يحتضن العراق )، فشتان ما بين من يقف شامخاً على أرضه في مواجهةِ الظلام، وهو يغسل بدمه بقايا وطن مثخن بالجراح، وما بين من يحتمل أنْ يتحولَ في رحلةِ المجهول إلى طعمٍ لكائناتٍ بحرية تحت ذريعة الهروب من جحيمِ الموت، وصعوبة العيش في وطن ( الجغرافيا )، على أملِ تحقيق مبتغاه بالسعادةِ والأمان والرخاء.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.