من الذاكرة الفريق إبراهيم الداود يتذكر: ناديت على العائلة المالكة بأن تستسلم إلا أنهم لم يفعلوا فإنهمر الرصاص

 

يءبن

كثر الحديث عن اوامر ثوار 14 تموز عام 1958بخصوص العائلة المالكة والشهادة الاخيرة حصلنا عليها من احد المشاركين في محاصرة قصر الزهور والتي شهد بها في مقابلة اعلامية مطولة نجتزىء منها شيئاً بخصوص موضوع قتل العائلة المالكة انذاك ومن اصدر الاوامر بهذا
*هل طلب منك قتل الملك والوصي والعائلة؟
– لا، كلّفت بالسيطرة على القصر وهذا التكليف قد يعني اعتقالهم، لكنه لا يعني قتلهم إلا في حال حصول مقاومة ومواجهة مسلحة. طبعاً كانت السيطرة على القصر مهمة لإنهاء شرعية النظام السابق وتأكيد الشرعية الثورية لعملية التغيير.
بدأنا عملية التنفيذ وتقدمت كتيبة المدفعية وفق ما هو مرسوم لكن السريتين ضاعتا بين الاشجار في المنطقة المؤدية الى القصر، وبدأ اطلاق النار. وقفت قبالة القصر وكان الرصاص يئز. في البداية لم يقدر من بداخله حجم ما يجري. وشاهدت الوصي عبدالاله يخرج الى الشرفة ويحدّق بالمنظار الى ما يجري. ثم رأيت الملك فيصل الثاني يخرج. وهنا بدأ الناس يطالبون بخروج العائلة. على مقربة منا كانت توجد مدرسة الاسلحة حيث يتابع الضباط دورات على الاسلحة. سمع هؤلاء بيان الثورة الذي اذاعه عبدالسلام عارف وسمعوا دوي الرصاص حول قصر الرحاب. حضر ما بين 12 و14 من هؤلاء وهم رفاق وزملاء عانقوني واعربوا عن تأييدهم. لم تكن مشاركتهم مقررة لكن الحماسة دفعتهم الى الانخراط في العملية. اكتشفوا ان لا اسلحة لديهم فقصدوا المدرسة وكسروا مخزن السلاح وعاد كل منهم برشاش اميركي من طراز “ستيرلنغ” احدهم، يدعى عبدالستار سبع، وهو صديق لي احضر مدفعاً غير مرتد ضد الدبابات ينقل على سيارة جيب. جاء ووقف قبالة القصر وأطلق قذيفة. توغلت الطلقة في القصر وأصابت سرداباً يبدو ان العائلة كانت وضعت فيه اسلحة للصيد وذخائر ومشروبات روحية. دوى الانفجار وأعقبه حريق فاندفعت العائلة المالكة الى الخارج وباتت على مسافة 30 متراً مني. ناديتهم ان يتقدموا نحوي واعداً ان لا نؤذيهم لكنهم لم يفعلوا. ربما اعتقدوا انني كنت استدرجهم. ثم ان المناخ كان بالنسبة إليهم مناخ خوف وهلع اذ ان صوت الرصاص كان مستمراً وكل شيء ينذر بالأسوأ. هنا وقعت حادثة كانت السبب في مقتل العائلة. كان بين الضباط الذين حضروا من مدرسة الأسلحة ضابط شاب كردي اسمه عبدالله، وكان يقف في الصف المواجه للعائلة. فجأة تلقى هذا الضابط رصاصة طائشة في بطنه فسقط أرضاً وبادر الى فتح نيران رشاشه في اتجاه العائلة أي الملك والوصي والزوجات.. وتبعه الضباط الآخرون وانهمر الرصاص. قتلوا جميعاً باستثناء زوجة الوصي التي اعتُقد ايضاً انها قتلت وتبين لاحقاً في المستشفى انها لا تزال حيّة. اذكر المشهد كأنه امامي الآن. وأذكر ان النقيب ثابت كان مرافقاً لعبدالاله وهو ضابط مؤدب ناديته وناشدته ان يقترب قبل اطلاق النار لكنه ظل وفياً للرجل الذي كُلّف بحراسته وقتل معه.
* ماذا فعلت؟
– اتصلت بعبدالسلام عارف وقلت له ان حادثاً وقع وأدى الى مقتل الاسرة الحاكمة. لم يفرح ولم يغضب. طلب ان نلفّ الجثث ونرسلها الى عبداللطيف الدراجي آمر اللواء الـ20. نفّذنا ما طلبه وارسلت الجثث الى المستشفى وبعضها الى المدافن. وخلال عملية النقل هجم المواطنون وانتزعوا جثة عبدالاله عنوة من السيارة واخذوها الى جانب الكرخ وعلّقوها هناك وقصّبوها.
* كيف؟
– قسموها واخذوا منها قطعاً تعبيراً عن كراهيتهم له. وقعت حادثة قصر الرحاب بين الخامسة والنصف والسادسة والربع صباحاً. بعدها دخلت غرفة الملك فوجدت الصور منثورة على الارض، وملابس نسائية.
كتب الكثير عن قصة قصر الرحاب. وكانت في تلك الكتابات اخطاء كثيرة. وثمة من تحدث عن قرار سابق بإعدام العائلة. الامانة تفرض عليّ ان أروي ما شاهدته. لو كان هناك قرار بقتل العائلة لأبلغني عبدالسلام عارف بذلك لحظة تكليفي بالسيطرة على القصر. ولأنني عشت احداثاً كثيرة خالطها العنف وسط التهاب المشاعر اقول ان التحكّم بالاحداث ليس مضموناً وان مفاجآت يمكن ان تحصل في هذا النوع من المواقف. رابطنا امام القصر واذا بامرأة متشحة بالسواد تصل مع ابنتها. ولفتني ان السيدة تحمل سلّة من الطماطم وضعتها وبادرتنا بالسؤال ان كنا نعرف سبب اندلاع الثورة. ومن باب المجاملة قلنا اننا لا نعرف. قالت: “هذه الثورة وقعت لتعزّيني انا، ألبس اللون الاسود حداداً على زوجي الذي مات قهراً. انتزع عبدالاله هذه الارض التي تقفون عليها من زوجي ورفض دفع اي تعويضات. عرفت بما حدث ولا املك ما اجلبه لكم غير هذه السلّة فجئت بها”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.