نقل الصلاحيات إلى المحافظات

لا جدال في الأهميةِ التي توليها القيادات الإدارية لقضيةِ إدارة الحكم في عالمِ اليوم؛ بالنظرِ لقوةِ اواصر ارتباطها بطبيعةِ الخدمات البلدية والاجتماعية المقدمة للمواطنِ ونوعها، الذي يتطلب تحفيزا دائما لإداراتِ مختلف القطاعات بقصدِ الاستفادة من آراءِ المجتمع المحلي في رسمِ البرامج الخاصة بمساراتِ التنمية الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي أفضى إلى ركونِ حكومات العالم المتقدم بشكلٍ متسارع صوب خيار اللامركزية، بوصفها الإدارة الملائمة التي يعول عليها في ضمانِ المشاركة المجتمعية وتحقيق التنمية الإنسانية.

في إحراءٍ إداري، شكل بحسبِ نواب وأعضاء حكومات محلية خطوة مهمة لإدارةِ المحافظات بما يخدم مواطنيها عبر النهوض بواقعِها الخدمي والاقتصادي والمعيشي، بالإضافةِ إلى إمكانيةِ مساهمتها في التأسيسِ لما يتطلب من عواملٍ ضرورية من شأنِها تحويلِ المحافظات إلى اقاليمٍ إدارية واقتصادية، جرى في الأولِ من شهرِ آب الماضي البدء بالترتيباتِ الخاصة في نقلِ صلاحيات ثمان وزارات اتحادية مثل البلديات والتربية إلى مجالسِ المحافظات غير المنتظمة بإقليم.

إنَّ تزامنَ عملية البدء بنقلِ الصلاحيات إلى المحافظاتِ مع موجةِ الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسينِ الخدمات التي شهدتها بغداد، فضلاً عن محافظاتِ وسط وجنوب البلاد، تلزم الحكومات المحلية البحث المعمق عن مجموعةِ الأسباب الموضوعية، التي ساهمت في ما رافق عملها من إخفاقاتٍ، تسببت في خروجِها خالية الوفاض من إنجازٍ يمكن أنْ يشار إليه بالبنان، إلى جانبِ ما طبع مسارها من تخبطٍ إداري، بالإضافةِ إلى ضعفِ مراقبة الأداء وشيوع ظاهرة التستر على المفسدين، التي تجسدت بانحسارِ الإجراءات الخاصة باستضافةِ المسؤول واستجوابه، ما أدى إلى المساهمةِ بتفشي الفساد في الدوائرِ الحكومية، فضلاً عن كثيرٍ من المشرعات، التي عكست ضعف استجابة الحكومات المحلية لحاجاتِ السكان المتنامية في ظلِ غياب المشاركة المجتمعية بتحديدِ القرار التنموي، الذي كان من نتائجه المؤثرة غياب الشفافية والنزاهة وتدني الكفاءة والفعالية. ولعل من مفارقاتِ أداء مجالس المحافظات في المدةِ الماضية هو إقدام بعضها على إعادةِ ميزانياتها إلى الحكومةِ الاتحادية من دونِ العمل على توظيفِها في مهامٍ تلبي حاجة المواطن.

في الوقتِ الذي أكد فيه رئيس الوزراء حيدر العبادي خلال زيارته قبل أيام إلى محافظةِ البصرة أنَّ الحكومةَ حريصة على المضي بنقلِ الصلاحيات إلى المحافظاتِ من أجلِ السير بالبلادِ على الطريقِ الصحيح، ألهبت الجماهير المطالبة بالإصلاحِ المشهد العراقي بأحاديثٍ تعبر عن وجودِ شبهاتِ فساد اقترنت بإخفاقاتِ الحكومات المحلية، من جملتِها، منح مجلس محافظة ميسان منحة مالية قدرها ( 2.5 ) مليون دينار لكلِ عضو في حالِ وفاة أحد ذويه من الدرجتينِ الأولى والثانية في جلسةٍ وصفت بالسرية، ما أدى إلى سخطِ الجمهور وغضبه، فضلاً عن المطالبةِ بإقالةِ مجلس المحافظة جراء قساوة هذا القرار، وانتهاكه لمشاعرِ كثير من أهالي ميسان الذين ألغيت عقودهم اليومية تحت ذريعةِ التقشف بحسبِ النشطاء المدنيين.

اللافت للانتباه عدم اقتصار تداعيات مظاهر الفشل في أداءِ مجالس المحافظات على الجمهور، حيث اتسعت مدياتها لتصل قبة البرلمان، مثلما هو حاصل في إعلانِ أحد النواب عن محافظةِ بابل في برنامجٍ تلفزيوني أنَّ جميعَ أعضاء مجلس بابل ( غارقون بالمحاصصةِ والايفادات التي وصلت إلى أبسطِ الأمور )، باستثناءِ عضوين في المجلسِ أشاد بهما النائب بحديثه وعدهما مفخرة لأهالي محافظة بابل؛ لتركهما الامتيازات والالتحاق بالحشدِ الشعبي. وقد تزامن هذا الحديث مع مناداةِ المتظاهرين بإقالةِ المفسدين من مسؤولي المحافظة، فضلاً عن المطالبةِ بمعرفةِ مصير حصة بابل من الموازنةِ التي وصلت قبل أشهر عدة إلى المحافظةِ من دونِ حدوث تغيير على المستوى الخدمي للمحافظِ بحسبِ الناشطين ومنظمي التظاهرة.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.