العنصرية في أوروبا .. ( لازلو ) أنموذجاً

 

ملف الهجرة غير الشرعية، التي ما تزال أحداثها تهيمن على العالم، دخلته هنغاريا من زوايا عدة، أبرزها حادثة المصورة الصحفية ( بيترا لازلو ) العاملة لصالحِ تلفزيون ( N1 )، التي أذهلت الرأي العام العالمي المتعاطف أغلبه مع تداعياتِ هذه الظاهرةِ الإنسانية بعد أنْ وثقَ مصور ألماني يعمل مراسلاً لقناةِ ( RTL ) الألمانية بمقطعِ يوتيوب نشره على حسابه بموقعِ التواصل الاجتماعي ( تويتر ) فعلتها المشينة التي حظيت باستهجانِ أغلب من شاهد الواقعة التي انتشرت كالنارِ في الهشيمِ على مختلفِ مواقع التواصل الاجتماعي؛ بالنظرِ لعدمِ توافقها مع الأخلاقِ التي تفرضها مهنة الصحافة الملتزمة على من ينتمي لعالمها، حيث عمدت لازلو إلى انتهاجِ العنف سبيلاً للتعبيرِ عن تشربِ أفكارها المفاهيم العنصرية، التي تلزمها الإساءة إلى كلِ ما هو غير أوروبي أو غربي. إذ لم يكفها حقدها الأعمى ترك الحرية ليديها يميناً وشمالاً في الإساءةِ إلى بعضِ اللاجئين الهاربين من قبضةِ رجال الأمن المجري أثناء دخولهم أرض بلادها من جهةِ الحدودِ مع صربيا، فبادرت لمدِ رجلها بطريقةٍ عدوانية أفضت إلى تعثرِ لاجئ وسقوطه أرضاً خلال محاولته مع مجموعةٍ من المهاجرينِ تجاوز جموع الشرطة المجرية بقصدِ الوصولِ إلى النمسا عبر بلادها لإكمالِ فصول رحلة الهروب إلى المنافي.

لا جدال في أنَّ تصرفَ لازلو يعكس في واقعه الموضوعي، تغلب ما تحمله من أفكارٍ عنصرية على إنسانيةِ مهام وظيفتها، التي فرضت في الوقتِ ذاته على المصورِ الألماني نشر غسيلها القذر على الملأ تعبيرا عن إدراكه لأهميةِ تبني الإعلام مهمة الكشف عن الأخطاءِ وقضايا الفساد، فكان أنْ تقاذفت وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية قبح عملها المتأتي من عجزِها المفضوح عن مقاومةِ سوء سريرتها ودناءة مقاصدها. إذ لم تمنعها مهمتها الإعلامية ومسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية الإساءةِ إلى مهاجرٍ حرص وهو هارب من الشرطةِ على حملِ طفل صغير خشية تعرضه إلى الأذى، فضلاً عن تعنيفه بطريقةٍ بشعة، أخلت على مرأى ومسمع من الناسِ بثوابتِ المنظومة القيمية، التي فرضت على دولةِ متقدمة مثل ألمانيا الجنوح صوب آليات عديدة لكبحِ مخلفات الظلام، من جملتِها فكرة احتضان رياضيين من مختلفِ القوميات على أراضِيها سبيلاً للخلاصِ من إرثها النازي الذي ما يزال العالم يستذكر محنه ويبكي ويلاته، بوصفه أحد أبرز عوائق محاولات اندماجها بالمجتمعِ الإنساني.

الوقاحة الغربية التي جسدتها لازلو بمتابعتِها التصوير بعد ركلها المهاجر وعدم إيلائها محاولته الاحتجاجية أي اهتمام مفترض، تعبر عن تكريسٍ فاضح للنموذجِ العنصري في أوروبا على حسابِ الثوابت والمبادئ الأخلاقية التي أشبعوا بها مسامعنا طوال عقود من الزمان، حيث أنَّ إعلانَ القناة التلفزيونية التي تعمل لصالحِها المصورة لازلو المحسوبة على حزبِ جوبيك اليميني المتطرف، لا تنفي التصريحات المتطرفة التي أطلقها رئيسه، بالإضافةِ إلى ما سبق أنْ نشره تلفزيون (N1 ) من مقالاتٍ محرضة على تعنيفِ المهاجرين، من جملتِها ما وسمته إدارتها بـ ( غوانتانامو = المجر ) أو ( اللاجئون يتكاثرون كالفطرِ في المتاجر ). وأغلب الظن أنَّ قرارَ فصل الصحفية لازلو، لا يعدو في حقيقته سوى خطوة إجرائية هدفها ذر الرماد في العيون، إذا ما أدركنا دوافع الحملة الرسمية للحكومةِ الهنغارية ضد اللاجئين الذين يعبرون أراضيها من الحدودِ الصربية باتجاه النمسا، ولاسِيَّمَا دعوة رئيس وزرائها فيكتور أوربان إلى وقفِ تدفقهم، لأجلِ حماية الهنغاريين أنفسهم من جموعِ اللاجئين، بالإضافةِ إلى تهديده بتطبيقِ إجراءات صارمة ضد اللاجئين عبر مسودة قانون تقضي بحبسِ أي شخص يتسلل عبر الحدود لمدةٍ تتراوح ما بين عام إلى ثلاثة أعوام، بعثها مؤخراً إلى البرلمانِ لغرضِ المصادقة عليها.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.