الممارسة النقدية العربية ومشكلة التنظير

نمطمكط

دكتور علي حسين يوسف

لقد كشف الواقع النقدي العربي في حقبة الثمانينات وما بعدها عن طغيان التنظير على الممارسة ، متغافلا عن الحاجة الى ممارسات نقدية لا الى نظريات وعظية في النقد ، فقد استغرق التنظير النقدي زمنا طويلا وجهودا كثيرة الا انه الى الان لم يثمر عن ممارسات تطبيقية تجسد الرؤية العربية وخصوصيتها في النقد الى الحد الذي اصبح معه هذا النقد ـ كما يقول احد النقاد ــ يعيش… مفارقة حادة يتجلى طرفاها في تضخيم الدراسات التنظيرية وندرة الممارسات التطبيقية الى درجة ان عدد من النقاد الذين مارسوا التنظير النقدي بكثرة قد انتبه لهذا الامر منتقدا اياه ، فهذا الدكتور صلاح فضل يرى ان التنظير ضـروري لإستيعاب النقاد لمستجدات التحولات النقدية الغربية , لكن هذا يجب ان لا يصل الى حد الإسراف ، لذلك فأننا ـ والكلام للدكتور فضل ـ بحاجة الى التحليل النقدي من منظور تطبيقي بدلا من الوقوف عند التكوينات النظرية والتعثر في الأسماء والمصطلحات والإغراق في الافكار والمبادئ والجدل حول مشروعيتها . ويظهر مما تقدم ان النقد العربي في المرحلة الراهنة لم يستطع بلورة رؤية نقدية واضحة بسبب المفارقة الواضحة بين التنظير والممارسة فلا يخفى ان الاقتصار على التنظير على حساب الممارسة غالبا ما ينتهي الى انطباعـات شخصية ، ونكوص الى الطابع الذاتي ، لذلك يمكن القول ان الانشغال في التنظير فقط قد يجعل من الصعوبة ان يمتلك النقد العربي نظرية في النقد حديثة ما لم ينتج بحثنا النقدي الذي يتخذ موضوعا له النص الادبي مفاهيم علمية بمقدورها ان تكشف نظام بنية القصيدة الحديثة. ويرى الكاتب ان العلاقة بين التنظير والممارسة يجب ان تكون علاقة جدلية فإنه من غير الممكن انجاز ممارسة نقدية دون منهج واضح ، مثلما لا يمكن ان ينجح المنهج النقدي دون ممارسة فعالة فمهما بلغت النظرية من الانسجام والشمول فأنها لن تكتسب مشروعيتها الا من خلال امساكها بالموضوع الذي تنظر اليه ، ومهما بلغ المنهج من الصرامة والدقة فانه لن يكتسب قيمته الا من خلال تجربته على نصوص معينة . وقد اجرى الكاتب احصاءا لما يقرب من (300) متنا نقديا عربيا بارزا كتب في السنوات الاخيرة تبين من خلاله ان المتون النظرية فاقت المتون التطبيقية بنسبة 80 بالمئة تقريبا , فقد وجد الباحث ان حوالي (235) كتابا كان مخصصا للتعريف بالمناهج النقدية او التعريف بمقولاتها دون ان تتعرض للجانب التطبيقي , في حين كان العدد المتبقي من تلك المتون دراسات تطبيقية . واذا كان الاسراف في التنظير قد اظهر سلبيات كثيره فان الاسراف في الممارسة النقدية لا تقل سلبياته عن ذلك وأول تلك السلبيات ان الممارسة النقدية يمكن ان تتحول الى قناعات شخصية عند الناقد فيترك لنفسه الحرية في التعامل مع النص بحسب استجابته وقناعته , لهذا يصبح من الضروري الموازنة بين الامرين .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.