إذاعة الزهور و الملك غازي كيف أجبر يونس بحري على أن يكون مذيعاً ؟

هكخجخ

عندما أسست دار الإذاعة العراقية وحتى عام 1938 كانت تابعة لوزارة المعارف عدا الشؤون الفنية التي انيط الاشراف بها لمديرية البرق والبريد العامة، وتولى ادارتها سلمان الصفواني الذي يقول:
كنت سكرتيرا للإذاعة في هذا العام وكان الجو السياسي وقتها مكهربا ، فقضية فلسطين من جهة وتردي العلاقات بيننا وبين بريطانيا من جهة أخرى الى غير ذلك من المسائل والمشاكل ، كان الملك غازي متحمسا طموحا وشديد الاهتمام بالإذاعة ويرى ان الإذاعة الرسمية وهو يتابعها بدقة لا تفي بالمرام من الناحية السياسية والقومية ، فأسس اذاعة خاصة في قصر الزهور ينافس بها إذاعة الحكومة .!!
على سبيل المثال ان اذاعة الحكومة كانت تذيع نشرة الأخبار في الساعة الثامنة مساء فصارت إذاعة قصر الزهور تذيع الأخبار في الساعة الثامنة الا ربعاً وهي نشرة مفصلة غير مسؤولة! فنشأت بعض المشاكل بين العراق وجملة من الدول العربية خاصة الأردن والأجنبية وعدد من الشخصيات العربية، وكانت تلك الدول والشخصيات ترسل احتجاجاتها على ما يذاع من بغداد من أخبار وتعليقات الى الحكومة العراقية . وبالتالي كانت تلك الاحتجاجات تحال اليّ للرد عليها وكان الرد واحدا هو ان الإذاعة العراقية لم تذع شيئا مما أشارت اليه الاحتجاجات وان لدى الإذاعة سجلا يحوي ما يذاع وليس فيه شيء من ذلك مضافا الى ان الإذاعة كانت ضعيفة لا تسمع خارج العراق في ذلك الحين فكونها مسموعة دليل على انها من غير الإذاعة العراقية وطبيعي انه لا يمكن ان نشير الى إذاعة قصر الزهور .
وكان للانجليز حظ وافر من تلك الاحتجاجات التي ادعوا فيها ان الإذاعة العراقية تعتمد تفخيم الأخبار المتعلقة بفلسطين وتصوغها بشكل مثير بما يسيء الى العلاقات العراقية البريطانية ولتلافي ذلك اقترحوا تزويدنا بنشرة اخبار مفصلة يوميا والاكتفاء بها لكننا رفضنا ان نقيد أنفسنا بمصدر واحد للأخبار، كانت إذاعة قصر الزهور في تلك المدة تسابق الإذاعة الرسمية في نشر الأخبار والتعليقات الحماسية وكان الملك غازي يتابع باهتمام سير الإذاعة وصادف مرة ان كانت الإذاعة تذيع تسجيلا لمقطوعة شعرية مشهورة لمهيار الديلمي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب ومطلعها:
أعجبت بي بين نادي قومها ام سعد فمضت تسأل بي
سرها ما علمت من خلقي فأرادت علمها ما نسبي
ومنها قد قبست المجد من خيرات وقبست الدين من خيرنبي .
ورن جرس الهاتف فاذا بالملك غازي نفسه يتكلم قال لي :
سلمان هذه مقطوعة شعوبية يجب ان لا تذاع ومنعت إعادة إذاعتها وأشرت بخطي في السجل الخاص بمنع إذاعتها، غير اني بعد عام او أكثر سمعتها من دار الإذاعة فاتصلت فورا بالمشرف عليها وقلت له : احترموا ذكرى غازي الذي امر بمنع إذاعتها.

واتصل بي مرة أخرى قائلا:
ان هناك خللا في الجهاز الفلاني من أجهزة الإذاعة مما يؤثر في نقاء الصوت فاطلب من المهندس ان يصلحه واخبرني.. اتصلت بمهندس الإذاعة المرحوم عزة الكرخي وسألته عما اذا كان قد لاحظ خللا في أجهزة الإذاعة يؤثر في الصوت، وكان بيت المهندس في سبع قصور بالكرادة فنفى وجود اي خلل فني وان الصوت طبيعي فاتصلت برئيس المرافقين ورجوته ان يخبر الملك بان مهندس الإذاعة قد أصلح الخلل الذي أشار اليه جلالته، وفي الصباح خابرني رئيس المرافقين وشكرني على حسن تصرفي وكان على يقين بان لا خلل في أجهزة الإذاعة.
ومرة خابرني من قصر الحارثية وقال:
ان لدي تجربة أريد إجراءها في الإذاعة فاطلب من جميع موظفي الإذاعة الحضور في مكاتبهم ومحال عملهم في الساعة الخامسة من بعد الظهر فاتخذنا الترتيبات اللازمة الا ان الملك لم يحضر في الموعد المحدد فاتصلت برئيس المرافقين وقلت له:
اننا في انتظار تشريف جلالته، قال انتظرني على الهاتف وبعد ثوان عاد يقول لي ان الملك عدل عن إجراء تجربته.
ومن اغرب المكالمات التي تلقيتها من الملك غازي تلك التي أمرني فيها بمنع يونس بحري من ممارسة عمله في دار الإذاعة، وكان يونس بحري مذيعا فيها، ففي ذات مساء بينما كان يونس يفتح برامج الإذاعة بجملته المعهودة:
(هنا بغداد نفتتح إذاعتنا بتلاوة ما يتيسر من القرآن الكريم يتلوه عليكم الحافظ فلان).. رن جرس الهاتف وكان المتكلم هو الملك غازي نفسه وأمرني ان امنع يونس بحري من الإذاعة وجاء يونس بحري الى مكتبي على عادته في انتظار انتهاء تلاوة القرآن الكريم ليعود الى الأستوديو لمواصلة تقديم البرنامج، قلت له: يا يونس ان كان لديك شغل في بغداد فاذهب لقضائه اذ يعجبني ان أكون مذيعا في هذه الليلة وبضع ليال أخرى ولم اخبره بأمر الملك فاستغرب يونس وظن اني امزح معه ولما أكدت له رغبتي مضى وهو بين مصدق ومكذب مذهولاً كئيباً، والذين يعرفون يونس بحري يدركون ان الإذاعة بالنسبة له كالماء بالنسبة الى السمكة، وراح يونس بحري رأسا الى وزير المعارف الشيخ محمد رضا الشبيبي وقص عليه ما حدث ثم ذهب الى رئيس الوزراء جميل المدفعي وشكا أمره اليه ولما سألني الوزير ورئيس الوزراء عن ذلك أخبرتهما بأمر الملك وانه لم يكن لي بد من تنفيذه.
في الصباح ذهب وزير المعارف الى البلاط الملكي حيث قابل الملك وتحدث معه بشأن المذيع يونس بحري فاخبره الملك بان يونس يتعمد التشويش فقال الوزير يمكن ان يكون حدوث ذلك من الوجهة الفنية قال الملك لو قيل ذلك لي لما صدقته لكني سمعته بأذني وأصر على طرد يونس من الإذاعة وراح رئيس الوزراء بدوره الى الملك وكلمه في هذا الشأن وأصر الملك على موقفه وخرج المدفعي من لدن الملك مستاء وانقطع عن زيارة البلاط اياما.
في هذه المدة التي دامت شهرا كان يونس بحري يلوب كالملسوع فلم يترك وسيلة لم يلجأ اليها لإعادته الى الإذاعة، قلت ليونس سأجرب حظي من أجلك فتعال معي الى البلاط سأقابل الملك وأرجو ان يوافق على عودتك الى الإذاعة وذهبنا معا وقابلنا رئيس المرافقين قلت له:
اني ارغب في مقابلة جلالة الملك عن طريقك لا عن طريق التشريفات فهل في إمكانك ان تدبر لي هذه المقابلة؟ قال رئيس المرافقين سأحاول انتظرني قليلا وعاد لي بعد برهة قائلا:
تفضل واستقبلني الملك ببشاشة وذكرني بأول لقاء لنا في سرادق جده الملك حسين بـ (منى) في الحجاز بمناسبة عيد الأضحى من عام 1923 وما قصه علينا جده الملك من سبب تسميته (عون) ثم رجوته ان يسمح لي بالكلام عن المذيع يونس بحري وان يغض النظر عن خطئه وان يسمح له بالعودة الى الإذاعة فابتسم الملك وقال:
لا بأس لن أخيب رجاءك فشكرته كثيرا واستأذنت بالانصراف. كان يونس بحري خلال المقابلة ينتظرني في غرفة رئيس المرافقين وهو يتقلب على أحر من الجمر فلما رآني منبسط الأسارير تأكد ان الملك وافق على عودته الى الإذاعة فقام يعانقني ويقبلني شاكرا ممتنا.
ومن الطريف ان أشير الى انني صرت مذيعا بضعة أيام رغم انفي اذ لم يكن لدينا مذيع اخر والإذاعة فن ومران ولم أكن مهيأ لذلك ولتلافي هذا الموقف الحرج بالنسبة لي كلفنا الأستاذ رشيد سلبي ان يكون مذيعا أثناء غياب المذيع يونس بحري. وعلى ذكر الإذاعة أقول:
كان نوري السعيد يطلب بين حين وآخر أغاني رشيد القندرجي وكان صالح جبر يطلب أغاني صديقة الملاية، وكان الأمير عبد الإله -وكان يسكن في دار من دور السكك قرب الإذاعة في الصالحية- يطلب أغاني مختلفة، كان عملي في الإذاعة حافلا بالذكريات الى ان ألحقت الإذاعة بوزارة الداخلية بدلا من وزارة المعارف.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.