Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

من الذاكرة الملك فيصل الأول يتشبث بنسبه من عائلة السيد باقر الحسني

نكخحج

لعل في تاريخ العراق السياسي الكثير من الأحداث التي تظلُّ بحاجة الى التذكير بها وتحليلها والتعرّف على أسبابها ونتائجها ودروسها المستخلصة بما يضيف للجيل السياسي العراقي المعاصر خبرة ماضٍ ، يبقى هو بالتأكيد بحاجة أليها. ولعل ما بذله الأستاذ الطبيب الجرّاح نزار باقر الحسني في إعداده وتحقيقه لكتاب ذكريات من مسيرة الحكم الوطني الملكي في العراق يعدّ خير مثال في هذا الجانب.
فالمحقق إهتم بمتابعة سيرة والده السيد باقر السيد أحمد الحسني والذي كان يكّنى بالسيد باقر البلاط وذلك لإشغاله منصبه المهم في البلاط الملكي العراقي ومنذ بداية نشأة الدولة العراقية حتى أواسط الخمسينيات من القرن الماضي. ومن خلال هذا الإهتمام بالسيرة الشخصية توسعت أطروحات الكتاب لتشمل مدة الحكم الملكي نفسها والتي إمتدت منذ تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكا على العراق في عام ١٩٢١ وحتى قيام الجمهورية في تموز عام ١٩٥٨. وعليه يقول المحقّق والمعّد للكتاب د. نزار الحسني “أن القارىء سيجد في الكتاب الكثير من تاريخ ما أهمله التاريخ في توثيق أحداث هذه الحقبة”. وهذا لعمري أنجاز مهم بحد ذاته فكيف وأنا بالمحقق يضيف بعضا من تحليلات السياسة من عندياته لتأتي معبرة عن درس تاريخي إستقاه صاحبه من سيرة والد كان قريبا جدا من زمان ومكان الحدث. ومع ذلك فالمحقق يترجى القارىء في مقدمة الكتاب من أن لا يعدّ ما كتبه عن الملك فيصل الأول والملك غازي والأمير عبد الآله دراسة تاريخية كاملة، حيث لم يكن مولودا أيام حكم الأول وكان طفلا أيام حكم الثاني وطالبا أيام حكم الثالث أو وصايته على الحكم. كما ان المحقق ما فتىء يذكّر القارىء من أن كتابه هذا أنما يأتي بعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاة صاحب السيرة السيد باقر الحسني حيث أبتعدت الأحداث لتسمح بإبداء الرأي بموضوعية وحرية. وهي هذه الموضوعية ما يبغيه الباحثون المحققون.
ولقد أجاد المحقق بأن أستهّل الكتاب بفصل مهم حول تاريخ الأسرة الحسنية وتاريخ مدينة الكاظمية كما كانت عليه حالا في النصف الأول من القرن العشرين. فتراه يذكر جغرافية المدينة ومساجدها وساداتها وعلماءها وأطباءها ومحلاتها ومكتباتها ومعالمها المعروفة ومنها سوق الأستربادي الذي عمل على أنشائه الحاج عبد الهادي الأستربادي عميد الأسرة حينها. كما يشير الى خانات الكاظمية ومنها خان الكابولي الذي كان مأوى للزائرين وخيولهم حيث أتخذ في عام ١٩٢١ مقرا لفوج الأمام موسى الكاظم والذي هو أول فوج من تشكيلات الجيش العراقي. وأعتمادا على مصادر تاريخية مهمة راح المحقق ومن خلال فصل الكتاب الخامس يسهب في مجريات عهد الحكم البريطاني للعراق بين عامي ١٩١٤-١٩٢١، مشيرا الى وعد مكماهون الممثل الأعلى لبريطانيا في مصر عام ١٩١٥ الشريف الحسين بن علي على أعتراف بريطانيا بقيام دولة عربية مستقلة في الجزيرة العربية وبلاد الشام اذا شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية. وقبل أن يجف حبر هذا الوعد قام وزير خارجية بريطانيا حينها مارك سايكس والوزير الفرنسي بيكو بتوقيع أتفاق سري يقضي بتقاسم بريطانيا وفرنسا أراضي الدولة العثمانية في الشرق الأوسط بعد سقوطها. وفي ٢٤/٤/١٩٢٠ قرر مجلس الحلفاء الأعلى في مؤتمر سان ريمو تطبيق أتفاقية سايكس بيكو لفرض الأنتداب على أن يكون العراق وفلسطين تحت الأنتداب البريطاني. ويشير الكتاب الى اتصالات جعفر أبو التمن مع زعماء الكاظمية وعودة الشيخ باقر الشبيبي الى بغداد حاملا رسائل تدعو الناس للمحافظة على حقوقها. ولا ينسى المحقق المعد للكتاب من ذكر دور السادن للروضة الكاظمية حينها السيد باقر السيد أحمد في تبليغ الناس بمحتوى الرسائل حيث كان يصعد الى سطح الكشوانية التي تقع بين صحن القبلة وصحن قريش قارئا بصوته الجهوري محتوى الرسائل مطلعا العامة على فحواها. ثم يأخذك فصل خاص لتفاصيل قيام ثورة العشرين العراقية ضد ظلم الأنكليز، وكيف أن عدم نجاح الثورة قد أدى الى مطاردة عناصرها الوطنية، دون أن يغفل حقيقة أن العفو العام الصادر عام ١٩٢١ قد أستثنى الشيخ ضاري الذي كان لاجئا في تركيا.
وحول دور الملك فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية يفصّل الكتاب في فصله السادس وكيف أن الملك قد أختار السيد باقر ليكون أحد أربعة أمناء في البلاط الملكي عام ١٩٢١ بعد أن قابله أثناء زيارته العتبات المقدسة في مدينة الكاظمية وسأله يا سيد باقر أنت حسني من أي ذرية؟ فأجابه السيد باقر : سيدنا أنا من ذرية حميضة بن أبي نمي الأول. وهنا قال الملك فيصل الأول: أنت إبن عمي وأنا من ذرية أخيه رميثة بن أبي نمي الأول.. يا أهلا بك. وهكذا تبدأ مسيرة الرجل باقر السيد أحمد مع ملوك العراق وأمرائه وأميراته من عائلة العراق الملكية حيث كان شاهدا على زمن البدايات للدولة ومؤسساتها ووزاراتها ومشاكل السلطة مع رجال الدين والجيش مما يفصّله الكتاب تفصيلا على مدى صفحاته التي قاربت على ٥٠٠ صفحة. وقد زوّد الكتاب بمجموعة نادرة من الصور الفوتغرافية التي جاءت واضحة على ورق صقيل في الطبعة الثانية المزيدة والمنقّحة من الكتاب. ولعلي أشير هنا الى الصفحات الخمس التي جاءت في نهاية الكتاب تحت عنوان الحكم الملكي في العراق والتي ركزّت على خلاصات واستنتاجات مستفادة من مصادر بعينها دون غيرها من مصادر لتقول إن لعبة الديمقراطية على أمتداد العهد الملكي بقيت كما هي (ولعل الأستاذ المحقق أراد أن يصفها بالهزيلة) ففي مجلس النواب وإن كان أعضاؤه يمثلون النخبة في المجتمع من اليمين واليسار والأقطاع ورجال الدولة والمتقاعدين الاّ ان تعيينهم يتم بموافقة البلاط الملكي ولم تجر أية انتخابات وفق الأسس الديمقراطية بحرية ونزاهة. وهكذا أستمر الحرس السياسي القديم كما يذكر الكتاب حاكما بمن يمثلّه في حلقة نوري السعيد والمدفعي والأيوبي والباججي والعمري.. حيث يتناوب الجميع رئاسة الوزراء أو يصبحون وزراء ضمن تشكيلة الحكومة. وهنا يذكر الكتاب أحصائية ذات دلالة: فلقد تبوأ نوري السعيد رئاسة الوزراء ١٤ مرة وصار وزيرا ٤٧ مرة كما تبوأ المدفعي رئاسة الوزراء ٧ مرات والأيوبي ٣ مرات في حين شغل السيد محمد الصدر عضوية مجلس الأعيان ١٥ مرة. كما لابد لقارئ كتاب الذكريات من مسيرة الحكم الملكي في العراق من أن يخرج بدروس أربعة لعلها تعدّ الخلاصة لمسيرة ٣٧ عاما من حكم العائلة المالكة مما يعدّ مفيدا لكل مَنْ يحكم العراق حاضرا أو مستقبلا، فقراءة التاريخ وتسجيل الذكريات وحدها لن تكفي ما لم تُستنتَج الدروس وتُستخلَص العبر: ١. أن العراق كوطن ودولة فيه من الإمكانيات والطاقات وأصحاب الكفاءة والمهارة والفكر ممن يستحق أن يكون له دوره في الحكم بغية التطوير والبناء والتغيير نحو الأحسن بجدية، بعيدا عن خطط محتلين أو منتدبين أو مستشارين أجانب فرضتهم مرحلة تاريخية معينة. ٢. أن ولاءات ومحاصصات رجال الدولة العراقية والقائمة على الأنتماءات الدينية المذهبية لن تحقق وحدة الصف العراقي الكفيلة بأختيار الرجل المناسب في المكان المناسب، وبالحيلولة دون تفرّق أبناء الشعب الواحد. ٣. أن العشائرية لن تكون البديل عن الإنتماء الى أرض الوطن الواحد، فالوطنية الحقة هي ضمانة العيش الكريم. ٤. أن للجيش دوره المحدد في الحفاظ على أمن الوطن وسلامته دون تدخله المباشر لتغيير في الحكومات والوزارات. لقد حفل كتابنا هذا بالعديد من روايات وشهادات ووقائع تاريخية جاءت على لسان مَنْ عاش تلك المرحلة من تاريخ الوطن، مما يجعل الكتاب كما أراده محققه (تاريخا) وليس (مذكرات). كما سيظّل الكتابُ هذا عندي مصدرا مهما سيرجع أليه الباحثون في شأن السياسية العراقية. وفي هذا نجح 0الكتاب وأحسن المحقق المعّد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.