شريعة الغاب في مجتمعٍ ديموقراطي

بعد إعلانه وفاة رجل مسن، تعرض الطبيب المقيم في أحدِ مشافي بغداد الحكومية إلى ضربٍ مبرح من ذوي المريض، أفضى إلى إصابته بجروحٍ وكدمات، منعته من مزاولةِ مهنته الإنسانية لأيامٍ عدة بعد أنْ تحول إلى نزيلٍ في ذاتِ المشفى الذي يعمل فيه. وأدهى من ذلك قيام المجموعة المهاجمة بتحطيمِ كل ما وقعت عليه أعينهم من أجهزةٍ ومعدات طبية في ظلِ عدم تدخل حراس المستشفى الأمنيين، خشية وقوعهم تحت ظرف يفضي إلى مقاضاتِهم عشائرياً!!.

الطبيب المعتدى عليه، الذي طالما حلم بتعلمِ أسرار علم الطب، ولم يخطر بباله أنَّ هذه المهنة الإنسانية ستتحول يوماً إلى نقمةٍ عليه، تركت في نفسه هذه الواقعةِ الأثيمة آثاراً صادمة، ربما تفرض عليه مثلما حصل لكثيرٍ غيره من زملاء المهنة التفكير بشكلٍ جدي حيال خيارِ مغادرة البلاد من أجلِ الإقامة في إحدى بلدان العالم وممارسة عمله في مشافيها؛ تحاشياً للوقوعِ تحت تأثير أنواع من الأذى الجسدي أو اللفظي في ردهاتِ المشافي المحلية التي أصبح تحول فضاءاتها إلى حلباتِ مصارعة أمراً ممكناً.

الحادثة التي تقدم ذكرها، لم تكن الأولى بمجالِ الاعتداء على الكوادرِ الطبية العراقية بعد أنْ تكرر حدوثها في المدةِ الماضية على نحوٍ شبه مألوف، لتصبح من بينِ أسوأ الظواهرِ السلبية، التي تسللت خلسة إلى فضاءاتِ مجتمعنا المتخم بالقيمِ النبيلة، ثم ما لبث أنْ استشرت في ظلِ إخفاق الإدارة الطبية بانتهاجِ آليات حاكمة لحمايةِ مواردها البشرية، التي لا يمكن التيقن من عدمِ مسؤوليتها في المساهمةِ بشحنِ الأجواء داخل المشافي بفعلِ ما حصل من أخطاءِ جسيمة خلفها عمل الأطباء، فضلاً عن دورها في استثارةِ ردود أفعال المرضى ومرافقيهم؛ بالنظرِ لعدمِ شعور بعض الاطباء بالمسؤوليةِ الإنسانية والأخلاقية تجاه المرضى، التي تلزمهم التصرف بمهنيةٍ حيال عملية تشخيص ما يعانيه الناس من أمراضٍ، حيث أفضى إهمال بعض الأطباء الاستشاريين أو الاختصاصيين إلى كثرةِ ضحايا التشخيص الطبي الخاطئ، الذي لم يجد من الإدارةِ الطبية ما ينبغي من إجراءاتٍ رادعة لإيقافه أو الحد من استمرارِ نزفه، الذي أثقل كاهل المواطنين من شريحة الفقراء، الذين فرض على بعضِهم العيش تحت قساوة ظروف إلزامهم تدبر كلفة علاج ذويهم وأحبتهم خارج البلاد جراء الخطأ في تشخيصِ المرض محلياً.

إنَّ إدراكَنا لضرورةِ توجه وزارة الصحة في إقرارِ إدارتها لوائح ملزمة التطبيق بشأنِ معاقبة الأطباء المهملين أو من يتسبب منهم بإحداثِ أخطاء في تشخيصِ المرض أو العلاج، لا يعني القبول بما يحصل من اعتداءاتٍ وإهانات على أطبائنا، بوصفهم ثروة وطنية تفرض على مختلفِ الشرائح الاجتماعية الاهتمام بها، بالإضافةِ إلى إبداء جميع ما يتطلب من مستلزمات تفرضها مهمة النهوض بالواقعِ الصحي. إذ أنَّ تناميَ عوامل رحيل الأطباء الذين يواجه كثير منهم مصاعب جمة في عملِهم، تفضي إلى خسارةٍ فادحة للمؤسسةِ الطبية، الأمر الذي يلزم الإدارة الطبية الشروع بإجراءاتٍ تضمن الحقوق المعنوية أو المالية للمواطنِ والطبيب على حدٍ سواء، إذا ما أدركنا الغبن الكبير الذي تعرض له بعض الأطباء جراء إجبارهم على أداءِ الفصل العشائري على خلفيةِ اتهامهم بأمورٍ مخالفة للمفاهيمِ الطبية العلمية.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.