رســالة مفتوحة الــى الاستاذ غـالب الشابندر العمامة و السياسة

 

جمعة العطواني

قرأت مقالا للسيد غالب الشابندر الذي احترمه كثيراً وأختلف معه أكثر.

في مقالة نشرت في احدى الصحف وتحت عنوان (العمامة والسياسة) يذكر جملة نقاط تستحق النقاش منها

1 – ان السياسة هي ادارة شؤون البلاد والعباد .

2 – يقول نادرا ما يجتمع سياسي وصادق .

3 – يقول ان المناورة والمخادعة والمبالغة والمجاملة والمحايلة وما هو على هذا الوزن اخلاق سياسية .

4 – ثم يقول (واذا لم يمارس السياسي مثل هذه الاخلاق يخسر ويندم).

5 – ثم يستشهد السيد الشابندر بحدث تاريخي اذ يقول (كان علي ابن ابي طالب يتظلم عندما كان الناس يقولون بانه – اخفق- في مواجهة معاوية، حيث كان يقول ان معاوية يغدر ويفجر، فيما هو يعمل بميزان القسطاط الاخلاقي الصارم والحاسم، وبالتالي من المؤكد تسقط دولة (علي) وتنتصر دولة (معاوية) .

6 – واخيرا يؤكد ( ان بلاء المكر والكذب والغش والتزوير والتحوير والتسويف والمبالغة والتهويل لا ينجو منها سياسي الا ما ندر) .

وبناء على ذلك يدعو السيد الشابندر رجل الدين (المعمم) ان ينأى بنفسه عن السياسة، لانها تعبر (العمامة) عن طهارة لا تتناسب من المفاهيم الضحلة التي ذكرها سابقا، وبالتالي تنعكس سلبا على الدين كله.

بودي ان اشير الى جملة مفاهيم ذكرها السيد الشابندر وتحتاج الى اثارة وردود .

1 – ان مفهوم السياسة هي ادارة شؤون العباد والبلاد، صحيحة ولا نختلف عليها أو فيها، أما قولك انها مجرد تعريف، قد يكون صحيحا من جهة وغير صحيح من جهة اخرى.

فاما انها صحيحة من جهة لان اغلب المتصدين ومن خلال التجربة جردوا المفهوم من معناه الحقيقي، وحولوا مفهوم السياسة من ادارة شؤون البلاد والعباد الى ادارة شؤون الاحزاب ورموزها. اما انه غير صحيح، فلانه يجب ان لا نستسلم لسلوكيات وممارسات من حولوا المفهوم من معناه الحقيقي الى معنى انتزاعي اخر اجنبي عنه، بل لابد ان يتصدى الخيرون المؤمنون بضرورة ادارة شؤون البلاد والعباد لخدمة البلاد والعباد، وتقديم النموذج الامثل لذلك المفهوم ولا يجوز التهرب من المسؤولية الاخلاقية والشرعية، تحت ذريعة ان الصراع على النفوذ اصبح يمثل معلما جديدا لتعريف السياسة .

2 – اما قولك انه من النادر ان يجتمع سياسي وصادق فصحيح ، لكن اتدري لماذا ؟ لنفس الاسباب التي ذكرناها سابقا ، وهو ان الصادق يتصور ان السياسة مكر وكذب ومخادعة ، وهو لا يقوى على سلوك تلك المفاهيم، وبالتالي انزوى بين جدران اربعة أو يكتفي بمراقبة المخادعين والكذابين والمحتالين ، وهو يتصور انه بمنأى عن ذلك الاثم ، ولكنه كلام غير صحيح ،لان ترك الساحة للمخادين والكذابين والسراق دون مزاحمتهم أو مضايقتهم أو فضحهم يعد بحد ذاته اثما لا يقل عن اثمهم ،ان لم يكن اكبر من ذلك بكثير . 3 – اما قولك بان (السياسي اذا لم يمارس تلك الاخلاق المنبوذة يخسر ويندم !

عجبي عليك ايها الاستاذ الكريم ، لا اعرف كيف تقيس الخسارة والربح بالنتائج المادية الملموسة ، وهو الوصول الى السلطة أو خسارتها ؟ .

اتصور ان الموضوع اكبر من ذلك بكثير ،لان الحرص على ادارة شؤون العباد والبلاد ، هو من صلب فطرة الانسان ، بل هو مجبول على ذلك، بناء على نظرية ان (الانسان اجتماعي بالطبع)، وهذه الاجتماعية تحتم على الانسان الذي يرى بنفسه الاهلية والنزاهة ان يتصدى لادارة شؤون العباد ، بل وينافس الاخرين من المخادعين والكذابين والمحتالين ، وهذه التنافس والصراع هم نفسه ينخرط بمفهوم الصراع على النفوذ الذي ذكرته في مقالتك، ولكن من زاوية اخرى وهي صراع بين الحق والباطل، بين الشرفاء الذين يدافعون عن مصالح الناس، وبين من يتنافس على النفوذ الشخصي والحزبي.

وعلى جميع النتائج لن يكون الانسان النزيه خاسرا لمعركته مع الفاسدين والمنحرفين، لان أمامه طريقين (قضية على نحو منع الخلو) ،أما ان ينتصر على خصمه ويتحقق المطلوب ، أو يصل خصمه الى السلطة لكن الشخصية المثالية تنجح في فضح سياسة الانتهازي والمتحايل والفاسد، وهو نجاح لا يقل عن نجاح الوصول الى السلطة في تحقيق الهدف المنشود.

ثم ان الاستسلام لتلك النماذج من السياسيين الذين أجدتَ في وصفهم الا يعد ذلك ايمانا بالمدرسة ( القدرية) ؟، وانا اعلم انك الا تؤمن بتلك بالمدرسة .

4 – وعجبي لا ينقطع من ذكرك امير المؤمنين وسيد الموحدين علي ابن ابي طالب “عليه السلام”، وانت تنقل قول الناس بانه اخفق في مواجهة معاوية ، لان الاخير يغدر ويفجر وامير المؤمنين يعمل بالقسطاط الاخلاقي .

ومحل عجبي انك في شاهدك هذا نسفت كل ما تبنيته في المقالة ،لانك تقول ان السياسة خداع ومراوغة ولا يجوز التصدي لها من قبل المعممين كما سياتي ذكره ؟

فلو كان ما تقول صحيحا ، فلماذ تصدى سيد الحكماء والزاهدين للسياسة ،مع وجود اكبر مخادع ومحتال وفاسد عرفه تاريخ الاسلام ؟

ألا يؤكد موقف أمير المؤمنين ما ذهبت انا اليه، من ضرورة تصدي الصلحاء والعلماء والاخيار لمواجهة الفاسدين، وان النتائج بالضرورة تكون لصالحهم ؟ ها هو التاريخ ماذا يقول عن علي ومعاوية ؟.

ألم يقف التاريخ مطأطأً الرأس لامير المؤمنين ولاعنا لمعاوية ؟ فلو انكفأ علي عليه السلام وقال : السياسة خداع ومكر واكتفى بالجلوس في بيته ، الا يعد ذلك اقراراً لمعاوية .؟

وأخيرا طلبك من أصحاب العمامة ان ينأوا بانفسهم عن السياسة ، لانها عبارة عن مكر ودهاء واحتيال وخداع ؟. وهذا طلب غريب من عدة أوجه اهمها ، ان اشرف عمامة لا يمكن ان تساوي ثوب أمير المؤمنين (المرقع)،حيث تصدى للسياسة باجلى صورها، وثانيا قولك هذا يتناقض مع اشكالية طرحتها في مقالتك الثانية التي نشرت في صحيفة المدى عن (التماسك العائلي) ، فتقول (ان مناسك العائلة الدينية يترجم بهذا التوارث الروحي للباس المعهود والقدسية المألوفة في الوسط الديني ابا عن جد، حتى يتخذ مسارات مكانية وحقوقية لا تتغير)، ثم تؤكد بنفس المقالة (ان هذا التماسك ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، وهو تماسك لا يدل على اية قيمة).

بناء على مقولتك تلك،ان من يتلبس بالتحايل والمخادعة والفساد فان مجرد لبس العمة ليس لها اية قيمة، لماذا ؟ لان السارق قد يرتدي لباس الزهد ، وقد يرتدي عمة رجل الدين ، وقد يرتدي بزة القائد العسكري أو (ملبس الافندي) وهلم جراً.

فكل ذلك المظهر واللبوس لا يضفي عليه قداسة مادام متلبسا بالسرقة. ولهذا يجب ان لا نعطي قدسية لعمامة تسرق، ولكن ايضا يجب ان لا نسلب حق رجل الدين المؤمن الزاهد أو المجاهد أو الثائر بوجه الفساد تحت ذريعة (ان السياسة خداع ونفاق). وانا اعرفك انك تنتمي الى مدرسة اللاتقديس لغير كتاب الله تعالى، فما حدا مما بدا والسلام..

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.