من أي رحم تولد الفتن ؟!

علي العلي

لا يخفى على كل متدبر للقرآن الكريم استخدامه موضوع الفتنة في أكثر من 60 مورداً وبمعانٍ متعددة ومختلفة، وأهم هذه المعاني ثلاثة..
المعنى الأول: «الامتحان والاختبار»،كما في قوله تعالى:»أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون»،أي لا يُمتحنون..
المعنى الثاني: من معاني الفتنة في القرآن «الشبهة»، كما في قوله تعالى:»هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تاويله»،فالمراد من الفتنة هنا إثارة الشبهات..
المعنى الثالث: هو النزاع ،فعندما ينشب نزاع بين طرفين (بغض النظر عن حقانية أحدهما دون الآخر) يكون هناك فتنة, وهذا المعنى مما أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) حينما قال:»كُنْ فِي اَلْفِتْنَةِ كَابْنِ اَللَّبُونِ لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَ لاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَب».
وفي هذا السياق نجد الإمام علياً (عليه السلام) قد بسط الحديث عن الفتنة، نظراً لما ماجت به المرحلة التي عاشها من فتن كبيرة، فمن جملة النصوص العلوية التي تحدثت عن عوامل نشوء الفتن وكيفية مواجهتها ما ورد في النهج الشريف من أنه:»إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ اَلْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اَللَّهِ،وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اَللَّهِ.فَلَوْ أَنَّ اَلْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ اَلْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى اَلْمُرْتَادِينَ(الطالبين) وَ لَوْ أَنَّ اَلْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ اَلْبَاطِلِ اِنْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ اَلْمُعَانِدِينَ.وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ(أي قبضة) وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي اَلشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَ يَنْجُو اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ اَلْحُسْنَى»..فالفتن بشكل عام اختبارات،وهي إذا أقبلت شبَّهت وأدت إلى خلط للأوراق وتشويه المفاهيم..إن النص الشريف أعلاه قد حدد عوامل نشوء الفتن بثلاثة وهي :
أولاً ـ العامل الذاتي:
وهو العامل الأساس في تكوين الفتنة..فحين تتغلب «القوة المُلْكِية» داخل ذات الإنسان من غريزة حب الذات والجاه والمال والنساء، على «القوة الملكوتية العقلية» يتحقق «اتباع الهوى»..
ثانياً ـ اتباع الهوى:
وهو المشار إليه في قول الإمام (عليه السلام) «أحكام تبتدع»،إذ إن اتباع الهوى يدفع البعض إلى التمرد على الحق واستحداث أحكام وأفكار غير أصيلة وغير مألوفة مستهدفاً الوصول الى مآرب ومكاسب غير مشروعة.
ثالثاً ـ عامل الترويج الإعلامي المضل:
بعد اتباع الهوى وابتداع أفكار جديدة على مستوى العقائد أو الفقه أو الأحكام الشرعية ومخالفة المألوف في كل منها، بعد كل ذلك يطلع قرن الفتنة, لاسيما إذا تبنت الترويج له مؤسسة أو دولة، وهذا ما لفت إليه الإمام (عليه السلام) بقوله:»ويتولى رجال رجالاً على غير دين الله».. فمن ضمن ما يمكن أن يظهر على مسرح الفتنة جراء الترويج المضل هو حالة الصنمية التي يعيشها اليوم الكثير من الناس من أصحاب الجهل المركب.
وفي ضوء ما تقدم من بيان المعاني المتعددة للفتنة وعوامل ظهورها في المجتمع، نستطيع أن نحدد الطبيعة العامة لوظيفة المؤمنين إزاء كل فتنة ،وذلك من خلال طرح الأساليب الأربعة التالية لا على سبيل الحصر لمواجهة الفتن:
الأسلوب الأول: كشف الغرض من الفتنة
إذ علينا أولاً أن نبيِّن ما النظر الحق في خضم تقاطع الرؤى بخصوص فتنة ما ؟ وما الغرض الكامن وراء أكَمتها ؟ وذلك بالاستعانة بخطاب عماده المفردات السهلة التي يفهمها عامة الناس، إذ لابد مثلاً من أن نبين سبب عزم المقاومة وإصرارها على مقاتلة الأمريكان إبّان احتلالهم للعراق وفلسفة جهادها ضد الزمر التكفيرية لا سيما زمرة داعش الإجرامية.. إذاً فكشف مآرب مثيري الفتن يجب أن يكون موجوداً حتى يتسنى للمجتمع مواجهتها..
الأسلوب الثاني: التحلي بالصبر وعدم الانفعال
فمن حكمة إنسانٍ يعيش أجواء فتنة ما تعصف بمجتمعه أن ينتبه لها ببصيرته النافذة ويصبر على تداعياتها؛ ليشرع بعدها بهمته العالية وثقافته الدينية بتثقيف مجتمعه بإطلاعه على الوجه الحقيقي للفتنة ومآربها وطرق مواجهتها، لا سيما تمييز صاحب الحق من المجانب له.
الأسلوب الثالث: اتباع القيادة الحقة
حيث يجب أن تكون هناك قيادة شرعية بمقدورها إراءة الأمة مسارها ومستقبلها. فالشخص الذي لا قيادة له سيجرفه موج الفتن، والإنسان الذي لا يعد من أصحاب البصيرة والعلم لابد له من أن يتمسك بأصحاب البصيرة وخير مصداق لهم ولي الأمر و مراجع التقليد المعروفون بعلميتهم وعدالتهم وكفاءتهم وسائر الشرائط الواجب اجتماعها في المرجع من بعد ولي الأمر.
الأسلوب الرابع : مقاتلة أصحاب الفتن
فالقتال هو أساس في هذا الموضوع حتى يؤثر في المعادلة،واليوم ما تقوم به المقاومة والحشد الشعبي من مجاهدة التكفيريين هو جزء من درء الفتنة، وكما قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) الناكثين،والقاسطين،والمارقين، يقول تعالى:»وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.