أوقات الفراغ .. طريق سلامة أم ندامة ؟

 

يوجه إلينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) كثيراً من النصائح وفي مختلف مجالات الحياة لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وقد كان(ص) وأهل البيت(ع) يؤكدون دائماً استغلال أوقات الفراغ،ومدة الشباب
قبل نفاد العمر والانتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة،ذلك العالم الذي يشكّل بكلّ تفاصيله ثمرة لزرع الدنيا،وجزاء لعملها: أما ثواباً وجناناً،وأما عقاباً ونيراناً والعياذ بالله.
إنتبه لعمرك
وممّا جاء في وصيّة رسول الله(ص) لصاحبه أبي ذرّ(رض):”يا أبا ذرّ،نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس:الصحّة والفراغ ..” إلى أن يقول له بعد إيصائه باغتنام الشباب والصحّة والغنى والفراغ والحياة “.. يا أبا ذرّ،كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك”.
وعن الإمام زين العابدين(ع) في دعاء له:”فإن قدّرت لنا فراغاً من شغل فاجعله فراغ سلامة لا تدركنا فيه تبعة ولا تلحقنا فيه سآمة،حتّى ينصرف عنّا كتّاب السيّئات بصحيفة خالية من ذكر سيّئاتنا ويتولّى كتّاب الحسنات عنّا مسرورين بما كتبوا من حسناتنا”.وقد ذكر الله أحوال المقصّرين في الدنيا فقال مرّة:”أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَي علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ”.
فالدّار حينها ستكون دار حسرة والحسرة على التفريط بالعمر والنعم،ومقابلة الواعظين بالسخرية.
لذا يقول تعالى ذكره مرَّة أخرى:”حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ”.
فالآيتان تشيران إلى أنّ الذين ضيّعوا أعمارهم ولم يستفيدوا منها حقّ الاستفادة،أي بما يضمن لهم الآخرة ونعيمها سوف تعتريهم حالة الندم عندما ينزل الموت بساحتهم فيتمنّون بل يطلبون الرجوع لأجل العمل ولكن هيهات.
قياس العمر
وليعرف كلّ منّا قيمة عمره تعالوا نحاول ما وحدة قياس العمر؟، على أننا علينا الانتباه إلى أنّ العمر هو رأسمال الإنسان،والعمر حسابه بالزمن،ومن خواصّ الزمن أنّه يمرّ دون استئذان،وما ذهب منه لن يعود ولا يمكن استرداده،ولا يمكن تخزينه،فإنّه يمرّ عملنا فيه أم لم نعمل،أحسنّا فيه أم أسأنا.
وثمّة أمر يجب الالتفات إليه وهو أنّه كلّما كان الشيء أقلّ قيمة وأكثر وجوداً كان ثمنه أقلّ وكانت وحدة قياسه أكبر وكلّما كان أكثر قدرة، وأعلى قيمة والحاجة إليه مع ذلك أمسّ كانت وحدة قياسه أصغر.
فثمّة أمور تقاس بالأطنان وما هو أكبر،وهناك ما يقاس بالكيلوغرامات،ومنها ما يقاس بالغرامات،أو القيراطات.
ولنعرف قيمة العمر نسأل:ما وحدة قياسه؟،هل هي القرون؟،أم العقود؟ أم غيرهما؟. وفي رواية قلت لأبي عبد الله (ع) ما قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّ﴾؟ قال:”ما عندك؟” قلت: عدد الأيّام، قال:”إنّ الآباء والأمّهات يحصون ذلك،لا،ولكنّه عدد الأنفاس”.وهذا ما أكّده أمير المؤمنين(ع) في قوله:”أنفاس المرء خطاه إلى أجله”.
الفراغ ضياع للعمر
فإذا كان العمر على هذا المستوى من الخطورة،وعلى هذا المستوى من القيمة،فهو على هذا نعمة من النّعم،وإذا كان نعمة فنحن سنُسأل عنه،وهذا ما أكّده الرسول الأكرم(ص):”لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل،عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه،عن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه،وعن حبّنا أهل البيت” فالعمر حقيقته هو الوقت وهو مقدّر بالأنفاس كما مرّ،فعندما ينتهي العدد المقدّر من هذه الأنفاس تكون نهاية العمر،ويكون الانتقال من دار العمل بلا حساب إلى دار الحساب حيث لا عمل.
وممّا لا شكّ فيه أنّه ليس من الحكمة بمكان ترك هذا العمر يفلّت من بين أيدينا دون استثماره بأفضل أوجه الاستثمار لنكون من المفلحين،والذي لا شكّ فيه أيضاً أنّ من وجوه ضياع العمر عدم استغلال أوقات الفراغ وتركها تذهب بلا فائدة وتتلف بلا نتيجة.
الفراغ المدمّر
فضلاً عن أنّنا كمسلمين ومؤمنين لدينا إيمان بجدّيّة هذه الحياة التي نعيشها،وما يترتّب عليها حيث سنلقى بعدها الله تعالى لنرى حصيلة وجودنا وعملنا في دار الدنيا حيث ربّما يكون مصير البعض كما قال تعالى:”يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابا”.وعلى هذا هنالك أخطار للفراغ منها:
1- فقدان الإحساس بقيمة الوقت:
حيث نتيجة تعوّده على مرور الوقت بلا ثمرة ولا عمل يفيد يصبح ذلك الإنسان خارج دائرة الإستفادة من الوقت، فالفارغ ليس هو القائد لحياته بل هو منقاد للظروف ليس إلّا.
2- الفارغ لا يحسن ترتيب أولويّاته:
فالفارغ يعيش همّ كيفيّة قضاء الوقت، أو ما يسمّيه كثيرون قتل الوقت،ولذا فإنّ الإمام زين العابدين(ع) يلفتنا إلى ضرورة الاختيار في قضاء الوقت،بل أكثر لضرورة تقديم الأولى والأفضل على غيره فيقول(ع) في دعاء مكارم الأخلاق:”اللهمّ صلّ على محمّد وآله،واكفني ما يشغلني الاهتمام به،واستعملني بما تسألني غداً عنه،واستفرغ أيّامي في ما خلقتني له”.
3- الفراغ منبت الأمراض والانحراف:
فهو يجعل الإنسان ذا اهتمامات حقيرة،وغالباً ما يترافق الفراغ مع استحضار حوادث العمر الماضية ما يفرح منها وما يحزن، ومعها تحضر الانفعالات وهذا ما يؤدّي إلى حالات اكتئاب وغيرها من أمراض النّفوس فضلاً عن الشعور بالملل والسأم.
علاج الفراغ
1- معرفة قيمة العمر،ومعرفة أخطار ومشاكل وتبعات الفراغ دنيويّاً وأخرويّاً.
2- السعي إلى ملء الوقت بأمور جادّة ونافعة منها:
أ- المواظبة على تلاوة القرآن الكريم والتعرّف على معانيه ومضامينه.
ب- ملء الوقت بالعلم النافع،ومراودة أماكن تحصيل العلم ومجالس العلماء.
ج- معاشرة الصالحين واتخاذهم أصدقاء: فعن الإمام الصادق(ع)أنه قال:” قال رسول الله(ص) في حديث،ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام مثل أخ يستفيده في الله”.
د- إتخاذ الجدية منهجاً في الحياة ومحاسبة النفس والالتزام بالبرامج التي تبني الانسان والأوطان.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.