الهواتف المحمولة ما بين الترف وموجبات الإستخدام

لم تعرف أغلب الشرائح الاجتماعية في العراق، المألوف من مخرجاتِ ثورة الاتصالات في بلدانٍ نامية مثل اليمن وربما الصومال إلا مع انتهاءِ حقبة الدكتاتورية على خلفيةِ سقوط النظام السابق في التاسعِ من نيسان عام 2003 م. إذ بدأت الصحون اللاقطة تنتشر في سطوحِ المنازل والبنايات تعبيراً عن امتلاكِ الأهالي أجهزة عرض صورة بمقدورِها سحب قنوات تلفزيونية متعددة بعد أنْ كانت مقتصرة على القنواتِ المحلية، بالإضافةِ إلى التوسع باستخدامِ الشبكة الدولية ( الإنترنت ) بعد أن أصبحت خدماتها مشاعة لجميعِ المواطنين بخلافِ توجهات النظام السابق، التي كانت لا تبيح استخدامها لعمومِ المجتمع، ما أفضى إلى المساهمةِ الفاعلة حينئذٍ بزيادةِ عوامل عزلة العراق عن المجتمعِ الدولي.
بصرفِ النظر عن إيجابياتِ ومساوئ النت والستلايت التي سنتحدث عنها في وقتٍ آخر، فإنَّ الضيفَ الثالث والمهم على مجتمعِنا في مرحلةِ ما بعد التغيير هو الأجهزة النقالة أو الهواتف المحمولة (الموبايل )، التي أصبحت من احتياجاتِ الأفراد الضرورية في مجتمعِنا بفعلِ الخدمات النافعة التي تقدمها لمن يقتنيها المتمثلة بتوفيرِ جهد المشتركين بعاملِ الوقت والاقتصادِ بالنفقات، فضلاً عن تسهيلِ مهمة إدامة التواصل الاجتماعي، ولعل من العواملِ التي ساهمت بزيادةِ أهميتها هو إخفاق إدارة الاتصالات في تأهيلِ القسم الأعظم من منظوماتِ الهواتف الأرضية، التي تعرضت كثيراً من موجوداتِها إلى التلف.
إلى جانبِ خطورة الآثار الصحية الناجمة عن اقتناءِ الهواتف المحمولة واستخدامها بحسبِ تحذيرات كثير من الدراساتِ الحديثة، فإنَّ العشوائيةَ في استخدامِها ببلادِنا أفضت إلى حدوثِ كثير من المشكلات، من بينِها زيادة الأعباء المالية على كاهلِ رب الأسرة، فضلاً عن تسببِها بوقوعِ الحوادث المرورية المتأتية من عدمِ تركيز سائق المركبة نتيجة انشغاله بنقالِه أثناء القيادة، بالإضافةِ إلى سلبيةِ آثار استخدامها على العلاقاتِ الاجتماعية ما بين الناس وأفراد الأسرة؛ بالنظرِ لانشغالِ كل فرد بهاتفِه النقال من دونِ الاهتمام أو الاكتراث بحميميةِ الجو العائلي، الأمر الذي تسبب بتقويضِ روح الأسرة المترابطة، فضلاً عن إزاحةِ أي مساحة للنقاشِ أو الحوار ما بين أفرادها حول مختلف المسائل، ولاسِيَّمَا ما يتعلق منها بتدبيرِ الأمورِ المعيشية، التي قد تكون سبباً في إحداث ما يحتمل من المشكلات، ناهيك عن تسببِ الهواتف النقالة في تنامي بعض الظواهر المضرة بمنظومةِ مجتمعنا القيمية مثل الزواج الوهمي وتداول الصور الإباحية ما بين الشباب الذي يعد أمل البلاد في مهمة الإعمار والبناء، ولعل أخطر هذه السلوكيات التي تجري تغذيتها من أطرافٍ دولية وإقليمية ومحلية هو ما يتناقله المراهقون من سمومٍ فكرية عبر أجهزتهم النقالة من دونِ وعي بخطورةِ آثارها على نفسيةِ المستخدم، الذي أصبحت حياته العامة رهينة جهاز الكتروني ليس بوسعه الاستغناء عنه، بوصفه أهم أساسيات حياته.
ألا تتفقون معي أنَّ الأجيالَ الأولى من أجهزةِ الموبايل المشار إليها محلياً باسم ( الطابوكَة )، التي دخلت بلادنا في أولى سنوات الانفتاح، تعد نعمة في ظلِ فوضى حداثة الأجهزة النقالة؟!
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.