مـن فكـر قائـد الثـورة ..أسباب الانحراف المؤدية لشهادة الإمام الحسين «عليه السلام»

UIIIII

تحتاج دروس عاشوراء رغم وضوحها وسلامة منهجها إلى تجلية وربط بما سبقها من دروس منذ عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زمن شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)؛ذلك أن المعاندين والنواصب خاصة كانوا يترصدون مذهب أهل البيت(عليهم السلام).محاولين حرفه وتشويهه وطمسه من جهة،يضاف إلى ذلك جهل عوام الناس نتيجة القصور الناجم من عصور الجور أو التقصير المتأتي من عدم السعي لتحصيل المعرفة من منبعها الآصيل..لذلك انبرى الإمام الخامنئي(دام ظله) ومن قبله الإمام الخميني(قدس سره) توضيحاً لنهج أهل البيت(عليهم السلام) عامة ونهج عاشوراء بصورة خاصة ،وفيما يلي سنطرح كلام الإمام الخامنئي(دام ظله) ورؤيته الثاقبة لما أبتلي به الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى وصل الأمر لشهادته(عليه السلام) دون أن يتحرك لهم ساكن..
المحرر

الابتلاء بعد الرسول”ص”
المجتمع الذي بناه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ابتلي من بعده بهذا الوضع الصعب،لذا
على مجتمعنا أن يكون حذراً جداً من أن يبتلى بذلك الداء،العبرة هنا هي أن نعرف ذلك المرض ونعدّه خطراً كبيراً،ونتجنبه.
أنا أعتقد أن رسالة عاشوراء هذه،هي اليوم أولى وأهم من سائر دروس عاشوراء ورسالاتها الغابرة،فلنفهم ما البلاء الذي نزل على رأس ذلك المجتمع كي يؤتى برأس الحسين بن علي (عليهما السلام) ابن أعظم رجل في تاريخ الإسلام وابن خليفة المسلمين علي بن أبي طالب(عليهم االسلام)، يؤتى برأسه مذبوحاً ويدار في نفس تلك المدينة التي كان أبوه يجلس في مقام خلافتها وأنه لم يحدث شيء؟!،ثم يأتي أناس من نفس هذه المدينة،إلى كربلاء ويقتلونه ويقتلون أصحابه شهداء عطاشى ويأخذون حرم أمير المؤمنين(عليه السلام) أسيرات.
الكلام في هذا المجال كثير،أنا سأطرح هنا آية من آيات القرآن التي تجيب على هذا السؤال، فالقرآن قد أجابنا،والقرآن يكشف عن هذا الألم للمسلمين،تلك الآية هي:”فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا”.
أسباب الإنحراف والضلال
وهنا يقول الإمام الخامنئي(دام ظله) مكملاً:هناك سببان أساسان لهذا الضلال والانحراف العام.
الأول: هو الابتعاد عن ذكر الله ونسيان ما هو من عند الله هذا السبب الأول.
الثاني: “وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات” السعي وراء الشهوات واتباع الهوى وبعبارة أخرى حب الدنيا والتفكير بجمع الثروات والمال والتلذذ بشهوات الدنيا والوقوع فيها واعتبار هؤلاء أن الدنيا والوقوع فيها هو الأساس.
إن نسيان العقيدة،هو الألم الأساس والكبير،نحن أيضاً يمكن أن نبتلى بهذا الألم، فإذا ذهبت حالة المواظبة على العقائد الإسلامية في المجتمع الإسلامي أو ضعفت.. أصبح كل واحد يفكر كيف ينجو بنفسه من المعركة، وعندما نتعود مجاراة الآخرين في اللهاث وراء الدنيا، وعندما نعطي الترجيح لأنفسنا ولمصالحنا فوق مصالح المجتمع فإن الوضع سيجرنا إلى هذا المستوى، والهمة الطويلة وممارسة الشعائر وإحياؤها والاهتمام بها يولد النظام الإسلامي ويحفظ ويُحرز مزيداً من التقدم.
أما التقليل من أهمية الشعائر ودورها وعدم الاهتمام بأصول الإسلام والثورة وطرح كل شيء وفق الحسابات المادية، وفهمه على ذلك النحو، بديهي أنه سيجر المجتمع إلى تلك الجهة، حتى تصل إلى وضع كهذا فهم قد ابتلوا بوضع كهذا.
يوماً ما كانت مسألة تطور الإسلام مطروحة عند المسلمين،ومسألة رضا الله وتعليم الدين والمعارف الإسلامية مطروحة ومسألة التعرف على القرآن ومفاهيمه ومعارفه كانت مطروحة أيضاً وجهاز الحاكم وإدارة البلد كان جهاز الزهد والتقوى وعدم الاعتناء بزخارف الدنيا والشهوات الشخصية،وكانت النتيجة تلك الخطوة العظيمة التي خطاها الناس نحو الله.وفي وضع كهذا،فإن شخصاً كعلي بن أبي طالب(عليهما السلام) يصبح خليفة،وكالحسين بن علي(عليهما السلام) يصبح شخصية بارزة.
الموازين تكمن هنا أكثر من أي زمن آخر، فعندما يكون الله هو المعيار والتقوى وعدم الاعتناء بالدنيا والمجاهدة في سبيل الله، الناس الذين يحملون هذه الموازين يأتون إلى ساحة العمل وهؤلاء يأخذون زمام الأعمال،فالمجتمع يصبح بالضرورة مجتمعاً إسلامياً،ولكن عندما تتغير الموازين الإلهية؛كل من لديه حب أكثر للدنيا،والأكثر اتباعاً للشهوات،والأكثر حنكة في كسب مصالحه الشخصية،والأكثر تلفيقاً في لغة الصدق والحقيقة يأتي لتولي الأعمال وبالتالي أمثال:”عمر بن سعد،وشمر،وعبيد الله بن زياد يصبحون الرؤساء،وأمثال الحسين بن علي(عليهما السلام) يُذهب بهم إلى المذبح ويقتلون شهداء في كربلاء،وتصبح هذه المعادلة هي الصواب، ينبغي على المخلصين ألا يسمحوا بتغيير القيم والموازين الإلهية في المجتمع،فإذا تغير معيار التقوى في المجتمع، يصبح إنسان تقي كالحسين بن علي(عليهما السلام) مهدور الدم،إن كانت الحنكة والتسلط والتحكم بأمور العالم والدسيسة والاحتيال والكذب وعدم الاعتناء بالقيم الإسلامية أصبحت ملاكاً طبعاً فإن شخصاً كـ “يزيد” يتولى زمام الأمور، وشخصاً كعبيد الله بن زياد يصبح الرجل الأول في العراق،عندها يصبح كل هم رجال الإسلام تغيير هذه الموازين والمعايير.وعلى ذلك كل هدف ثورتنا سيكون الوقوف بوجه المعايير الباطلة والمادية الخاطئة في العالم وتغييرها.
عالم اليوم
عالم اليوم هو عالم الكذب، عالم القوة، عالم الشهوات، عالم ترجيح القيم المادية على القيم المعنوية.وهذا ليس في عالم اليوم فحسب، بل منذ قرون والقيم في العالم تتجه نحو الزوال ونحو الضعف،فقد سُعي لإزالتها من الوجود ليحل محلها أصحاب القدرات وعباد المال والرأسماليون.
فقد أوجدوا نظاماً ورتّبوا بساطاً مادياً في العالم وعلى رأسه قوة كأمريكا، والتي هي أكثر كذباً من الجميع وأكثر خداعاً وأكثر من لا يعنى بالفضائل الإنسانية والأكثر قسوة تجاه البشرية،هذا هو وضع الدنيا.
الثورة الإسلامية وإعادة الروح
لكن الثورة الإسلامية عندما تفجرت أعادت الروح إلى الإسلام الحقيقي،وأحيت:”إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم”، هذه الثورة انبثقت على الساحة العالمية لتحطم الحسابات العالمية الخاطئة، والتنظيم والاعتبارات العالمية الخاطئة،ثم تضع محلها تنظيماً وحسابات جديدة. ففي إطار الحسابات المادية بديهي أن يكون أشخاص يتبعون الشهوات، فاسدين، ضالين، من أمثال محمد رضا شاه على رأس السلطة وأن يكون شخص فاضل طاهر نيّر كالإمام”أي الإمام الخميني(قدس سره)” في السجون أو المنفى، ففي مثل تلك الحالة لن يكون للإمام مكان في المجتمع،فعندما يحكم الظلم والعنجهية والفساد والكذب واللا فضيلة، لا يمكن لشخص يتسم بالفضيلة والصدق والنور والعرفان إلا أن يكون في السجون أو في المذابح وساحات القتل.
وعندما يأتي رجل كالإمام إلى سدة الحكم، يعني ذلك إن صفحة سوداء طويت وأخرى بيضاء فتحت وحب الشهوات يذهب إلى العزلة، وهذا يعني أن التعلق بالدنيا والتبعية والفساد ولّى وحل مكانه: الزهد، والتقوى، والخلوص، والصفاء، والجهاد، والرأفة والإخلاص،تجاه الناس،والرحمة والمروءة والأخوّة والتضحية والإيثار.
كيف نحافظ على مكاسب الثورة؟
إذا استطعنا الحفاظ على القيم.. فنظام الإمام سيبقى وعندها لن يؤخذ أمثال الحسين بن علي (عليهما السلام) إلى المقتل أو المذبح، أما إذا لم نحافظ عليها فماذا يحصل؟ ماذا يحصل إذا حُررنا من معنوياتنا الجهادية؟ وماذا يحصل إذا فكرنا بالكماليات الشخصية متجاهلين الواجب الإلهي والتكليف والعقيدة والأحكام الإلهية؟ إذا جعلنا شاباً تعبوياً، شاباً مؤمناً، مخلصاً ملتزماً والذي لا يريد سوى ساحة يجاهد فيها في سبيل الله، إذا جعلنا مثل هذا الشاب في عزلة من أمره، وجعلنا الإنسان الوقح، الطمّاع، والمجرد من الصفات الحميدة والمعنويات يتحكم، ماذا يحصل؟ طبيعي أن كل شيء سينقلب والفوضى ستعمّ.
إذا كانت المسافة الزمنية بين وفاة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) واستشهاد سبطه الإمام الحسين (عليه السلام) في صدر الإسلام قد بلغت خمسين عاماً،فهذه المدة قد تكون أقصر بكثير في عصرنا، وربما ذهبت فضائلنا وأصحاب الفضائل إلى المذبح أو المقتل أسرع من ذلك بكثير.لذا يجب أن نحول دون ذلك،وأن نصمد بوجه الانحرافات التي ربما يفرضها علينا العدو.
إذاً،هذه هي العبرة من عاشوراء بألا نسمح لأحد أن يحجّم روح الثورة في المجتمع،ويحجّم ابن الثورة في المجتمع.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.