غداء مع خمسة من الأصدقاء

 

خحجحجح

عدنان مبارك

اعتصموا بالأحلام فحين تموت تصبح الحياة طيرا مكسور الجناح ولا يقدر على التحليق. لانغستن هيوز Langston Hughes (1902 -1967 )
دخلت المطبخ وأخذت أفكر بالأطباق التي عليّ أن أعدّها للأصدقاء ، فكل واحد قدم من بلد آخر. صفنت طويلا لكني لم أصل الى نتيجة. طيّب ، طالما الأمر هكذا لأطبخ الرزّ الذي يمتدحه الجميع تقريبا. ستكون معه سمكة كبيرة مشوّية ، ومرق طماطم تغرق فيه قطع من لحم العجل. أختي أم مها علمتني قبل سنين كيف أعمل المحلبي. أظنه سيكون غداء لابأس به. لم أنس أن لكل واحد منهم مزاجه الكحولي. أذن ، ويسكي ، جين ، نبيذ. بيرة أيضا. أعددت المسجل الموسيقي. فيه كل الفطاحل. أخبرت الأصدقاء أن يأتوا في الساعة الرابعة عصرا ، فأنا لغاية الساعة الواحدة سأكون مشغولا بكتابة تلك القصة المنكودة التي استلقت مسوداتها على الطاولة وكأنها تجسيد لضمير معذّب. هم متفهمون لمآزقي الكتابية ، ومن هنا جاءت الموافقة على موعد الساعة الرابعة. أنا أنتقيتهم بتأن خشية أن يفسد واحد دعوته بالغلط ، متعة اللقاء.
دهشت لعملي المتقن في المطبخ. الساعة الآن الثالثة والنصف. أعرف أن بعضهم معتاد على المجيء مبكرا ، ومن هنا توقعي رنين جرس البيت في كل لحظة. ها أن عقرب الدقائق على النقطة السوداء للثانية عشرة والآخر على الساعة الثالثة. الأحسن أن أسترخي في مقعدي وأنتظرهم.
كان أول جرس ل( ص. ب ). أظنه كان عند الحلاق ، فشعره الآن أقصر بشكل ملحوظ. ما يعجبني فيه أيضا أنه يعرف متى يصمت ومتى يتكلم. كل شيء فيه يكاد يكون مثاليا : رب صغير يزور هذه الأرض المتعبة. أعددت له قدح الويسكي ، فأنا أعرف بالطبع مشروبه. بقي صامتا على المقعد المجاور لباب الشرفة.
جاء بعده ( أ . ج ). أراد أن يقول شيئا لكنه عدل عن ذلك. انتهزت الفرصة وسألته هل تمتع بأجازة أم لايزال يعمل ليل نهار. تمتم ثم قال بصوته الغليظ :
– بدون إجازة . اظنها ستكون في مطلع الخريف.
أضفت : أقصد هل انتهيت من منحوتة الكلب، نسيت الأسم : حكيم الزمان أم نديمه ؟
أجاب:
– نديمه.
أطلقت ضحكة قصيرة. وطفقت أتكلم عن كلاب المشاهير. انتهيت بكلب شوبنهاورالذي أسماه آتمان أي روح العالم أو روح الحياة بالسنسكريتية. أردت مواصلة الكلام الا أن جرس الباب حال دون ذلك. وقف هناك ( ذو الابتسامة الأبدية ) أي ( ا. ك ). قبّلني وقدّم لي علبة مغلفة جيدا ومربوطة بشريط بنفسجي. قال بصوته ذي النبرة العالية :
– حذار ! فيها كعكة بالفواكه. من صنع ماما.
جلس جنب ( ص. ب ) الذي رد على تحيته بابتسامة قلبية. قلت بمرح مفتعل قليلا :
– احزروا. من يكون القادم ؟
استجاب ( أ.ج ) و ( ا . ك ). أما ( ص . ب ) بقي على صمته. ذكر الاثنان شتى الأسماء لكنهما فشلا. قلت :
– ( و. غ ) !
كان هناك الآخر والأخير : ( م . ف ) الذي جاء قبل ( و . غ ) مما أحرجني . قلت ان الحزر لم يسمح لي بالاشارة الى وجود ضيف خامس . وكانه ( م. ف ) ذو الدينامية التي يصعب وصفها.
جلس ( و. غ ) بجنب ( ص . ب ) الذي كنت أعرف بأنه يكن له اعجابا صامتا كعادته ( من الاستثناءات القليلة عنده أنه قبل أربع سنوات تكلم طويلا عن كتب ( و . غ ) مبديا الاعجاب بأسلوبه في السرد وميله الواضح الى فكرة أن الانسان لا يستحق الا الرثاء ).
أعلنت بلهجة مرحة أن النصاب اكتمل وما على الأصدقاء الا تذوّق الرز والسمكة المشوية والمرق.
رحنا الى غرفة الطعام وفي يد كل واحد قدحه. كان ( ا . ك ) أول الناطقين . :
– في القاهرة أكلت مثل هذا الرز. رافقني أذان من جامع قريب .
– ذاكرة لا عيب فيها ( لم تخل نبرة ( م . ف ) من هزء خفيف ) لكني لا أعرف كيف نسيت مكان ولادتك ، كما معلوم كان في تلك الجزيرة الساحرة .
– لا تفسد عليّ هذه المتعة. فهذا الرز والسمكة سماويان حقا ( كان قد نسي ، فعلا ، أنه ولد في كوبا ). سبق أن قلت بأني لا أتذكر شيئا عن ذلك المكان ، فلغاية سن البلوغ لم أغادر ، عموما ، سان ريمو. وأنت تعرف بأن هوية الانسان متغيرة وغير ثابتة. كما تعرف بأني لا أميل الى أيّ نوع من البيوغرافيا…
– لذلك كتبت مرة أن المؤلف لا يوجد ، أي أنه كائن في أعماله فقط وعداها هو مجرد ضيف. لكن ليس تماما ، فنحن نعرف الكثير عنك رغم تكتمك.
– حياتي الشخصية ملكي وليس كما عندك : معروضة للبيع.
– أنت هنا تضاهي فيليب لاركن.
– لا وقت عندي للقيل والقال. كتبت مرة الى بيير باولو بازوليني بأني أقضي 12 ساعة في القراءة كل يوم.
تدخل ( ص. ب ) :
– شيء جيد يا عزيزي أنك أدركت مبكرا بأن الأدب الجيّد لا يمكن خلقه الا بمعونة شيء آخر غير الأدب . وهنا سؤالي : أصحيح أن عنوان ( اذا المسافر في ليلة شتائية ) قد أخذته من قصة مصورة ( كوميكز ) من سلسلة (Peanuts ) وبطلها الكلب سنوبي Snoopy الذي كتب على الآلة الطابعة : ( كانت ليلة ظلماء وعاصفة … ). نحن نادرا ما نلتقي ولذ الا أفوّت مناسبة هذا اللقاء كي أقول أيضا بأني على اتفاق مع ما كتبته عن تشيخوف الذي يصيب ويكشف بحدّة ، كل أنواع خيلاء الانسان لكنه لا يؤمن ، مثلي ، بمستقبل الآنسان ( وهكذا على غير عادته أطنب ( ص. ب ) ، لكن قليلا ، في الكلام ). الحالة النموذجية للكاتب هي وكما قلت مرة ، أن لا يغريك في أن لا تكون داخل أيّ شيء .
عاد ( م . ف ) الى الكلام :
– وهكذا لنتصور بورخيس الذي لم يفقد بصره وهمنغوي الجالس في بيته و مالكولم لاوري الصاحي الذي كان قد بدا الشرب في عمرالرابعة عشرة ، ونحصل على صورة عبثية حقا ! أنت تفاجئني دائما . تصورت أن معبودك الوحيد هو بورخيس وها أن همنغوي أزاحه ولو قليلا. نعم : قليلا . فمن قلمك يقطر المزاج البورخيسي !
تدخلت كي أعلن بأن المحلبي والقهوة بالانتظار ، ومن الأريح العودة الى غرفة الجلوس.
عندما جلسوا هناك تكلم هذه المرة ( و . غ ). أنا أعرف جيدا هذا البريطاني المهذب الذي لا يزحزح أيّ احد ولا أيّ شي ء ايمانه بأن لا مستقبل للإنسان. قال :
– عزيزي ص. قلت مرة : الشيء الوحيد الذي أرغب في تعلمه هو طريقة النظر ، بعبارة أخرى : أن تكون في العالم. وفي الختام لايعلم الأدب شيئا آخر غير هذا. الأدب ! مجرد سوء فهم أكبر من كبير . كم من الجواهر المطمورة التي حاول أصحابها أن يلقوا عليها ولو بصيصا من الضوء. لكن الحظ السيىء وقف لهم بالمرصاد. أتذكر جيدا كيف كانت حالي في عام 1953 حين قدمت أحدث كتبي الى عشر دور للنشر لكنها رفضت نشره .في الأخير اخذته الى دار فبيبر أند فيبر . في البداية رفضوه الا أن المدير الجديد أنقذه ونشر في عام 1954 بأسم ( سيّد الذباب ). كذلك أنقذني : تخليت عن التدريس وتفرغت لهذه المهنة الكئيبة…

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.