الفساد المالي والإداري

الفساد بالاستنادِ إلى منظمةِ الشفافية الدولية، كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب لتحقيقِ مصلحة خاصة، فيما ينظر إليه بعض المتخصصين بوصفه خروج فرد أو جماعة معينة عن القانونِ والنظام أو استغلال غيابهما لأجلِ تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وعلى الرغمِ من أنَّ مشكلةَ الفساد لم تكن مقتصرة على فضاءاتِ بلدنا بشكلٍ خاص، بوصفِها مشكلة عالمية تعاني منها كثير من دولِ العالم، إلا أنَّ العراق يعد بحسبِ المتخصصين من بين أبرز دول العالم، التي تسود جميع قطاعاتها سلوكيات مخالفة لواجباتِ المنصب الرسمية بقصدِ تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية، الأمر الذي يفضي إلى إلحاق الضرر بالمصلحةِ العامة.
لا جدال في تعددِ الأسباب الكامنة وراء بروز هذه الظاهرة، التي لا تخرج في واقعِها الموضوعي عن إطارِ سلبية السلوك الإنساني، الذي تحركه المصلحة الذاتية، غير أنَّ تفشيها في أروقةِ مجتمعنا المعروف بتوارثه منظومة قيمية تتعارض مضامينها مع مجموعةِ مظاهر هذه الآفةِ المجتمعية، التي ساهمت على مدى أكثر من ثلاثةِ عقود في ترسيخِ سلوكيات منحرفة مثل نهب المال العام والتصرف به، الرشوة، الابتزاز، المحسوبية، المحاباة، غياب النزاهة والشفافية في طرحِ العطاءات الحكومية، وسيادة الوساطة وغيرها من القيمِ القائمة على النسبِ والقرابة وما شابه ذلك. ومن المهمِ الإشارة هنا إلى أنَّ موروثات النظام السابق، ولاسِيَّمَا الحروبَ الخارجية والداخلية التي شهدتها البلاد، كانت في طليعةِ العوامل المساهمة بأضعافِ الحكومة وتعطيل أجهزتها الرقابية على جميعِ الأجهزة التنفيذية، فضلاً عن مفاصلِ القطاع الخاص، التي ترافقت مع زيادةِ معدلات الفقر والجهل، إلى جانبِ محدودية معرفة المواطن بحقوقِه الشخصية. ما أدى إلى ركونِ كثير من الإداراتِ الحكومية لممارسةِ عمليات السرقة والعمل على تكريسِ ما متاح من أساليبِ الفساد المالي والاداري سبيلاً لتحقيقِ منافع منفعة مادية أو مكاسب وظيفية أو مكاسب اجتماعية من غيرِ وجه حق، بالإضافةِ إلى التعمدِ بعدمِ إيلاء عامل الكفاءة وضرورة الالتزام بأصولِ العمل الأهمية المطلوبة.
وضمن هذا السياق، لا يمكن إغفال مشكلة المحاصصة والمحسوبية الحزبية التي نجم عنها صراع سياسي على السلطةِ في البلاد خلال المرحلة الانتقالية عن إجمالي العوامل المساهمة في زيادةِ مظاهر الفساد بمفاصلِ الوظيفة الحكومية؛ بالنظرِ لما ترتب على عدمِ الاستقرار السياسي من نتائجٍ تعكس تناقض المصالح لما ظهر من مراكزٍ حكومية واصطفافات سياسية، من شأنِها المعاونة بحمايةِ بعض المتورطين بالفساد، الذي كان من نتائجه خسارة العراق نحو ( 250 ) مليار دولار على وفقِ تقارير هيئة النزاهة، بالإضافةِ إلى تأكيدِ خبراء ومسؤولين خسارة العراق سنوياً مبلغاً قد يصل إلى ( 20 ) مليار دولار من عوائدِ الضرائب، بفعلِ الفساد المتعلق باستيفاءِ الرسوم الجمركَية في المنافذِ الحدودية، فضلاً عن التهربِ الضريبي، في حين أشار تقرير صادر عن المركزِ العالمي للدراساتِ التنموية ومركزه العاصمة البريطانية لندن أنَّ عملياتَ غسيل الأموال والفساد المالي والإداري في مفاصلِ الدولة العراقية، أدت إلى خسارةِ العراق قرابة ثلاثة مليارات دولار خلال شهرين فقط من عام 2012 في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.