نظرة تاريخية على عقوبة الإعدام

المراقب العراقي / خاص

عُرفت عقوبة الإعدام ضد المجرمين والمعارضين السياسيين في كل المجتمعات عبر التاريخ، وما زالت معظم البلدان تحكم بالإعدام في جرائم القتل العمد والتجسس ضد الدولة والخيانة. ولم تستهدف عقوبة الإعدام في العصر القديم إنهاء الحياة فقط كما هو الحال الآن، بل كان من مقاصدها الإذلال والتعذيب والتمثيل، وكانت تنفذ على الملأ لردع المشاهدين. أما أقدم توثيق لعقوبة الإعدام جزاءً على ارتكاب الجرائم المختلفة فيوجد في القوانين الصينية القديمة. كما وردت عقوبة الإعدام في كل من: شريعة حامورابي خلال القرن الثامن عشر قبل الميلاد حيث فرضت في خمس وعشرين جريمة، وفي مصر القديمة في القرن السادس عشر قبل الميلاد، وفي قوانين الحيثيين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وفي أثينا خلال القرن السابع قبل الميلاد؛ حيث كان الإعدام عقوبة أي جريمة ترتكب .
واختلفت عقوبة الإعدام في روما القديمة خلال القرن الخامس قبل الميلاد باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها مرتكب الجريمة؛ وكان يُحكم بالإعدام على مختلف الجرائم مثل القذف أو التشهير، ورفع الصوت بالأغاني المهينة، وسرقة المحاصيل الزراعية أو ترك الماشية ترعى فيها، وحرق المنازل أو المحاصيل المخزنة قربها، والغش التجاري، والحنث باليمين، وإصدار الضوضاء أثناء الليل، وقتل فرد من الأحرار أو أحد الوالدين عمداً، والسرقة إذا ارتكبها فرد من العبيد. وكانت الوسائل المستخدمة في الإعدام قاسية، شملت الصلب، والقتل غرقاً، والدفن في التراب، والضرب حتى الموت، والقتل بالخازوق، والافتراس بالحيوانات الضارية. أما قاتل أحد والديه فكان يُلقى به في الماء ليموت غرقاً بعد أن يوضع في كيس من القماش به كلب وديك وثعبان وقرد!
واستخدم اليهود طرقاً عديدة لتنفيذ عقوبة الإعدام منها الرجم بالحجارة حتى الموت، والشنق، وقطع العنق، والرمي من قمة عالية، والصلب الذي اقتبسه اليهود من الرومان، إلاّ أن الإمبراطور (كونستانتين) ألغى الصلب في روما القديمة خلال القرن الرابع الميلادي.
واستمر تطبيق عقوبة الإعدام في معظم الجرائم التي تعدّ الآن بسيطة؛ ففي القرن الثامن عشر كان يُحكم بالإعدام جزاءً على 222 جريمة في بريطانيا؛ منها قطع الأشجار وسرقة الماشية، وسرقة ما يساوي أربعين شلناً من منزل، وسرقة ما يساوي خمسة شلنات من متجر، وقد أعدم طفل وشقيقته شنقاً في 28 أيلول 1708م عقوبة على السرقة وكان عمرهما 7 و11 سنة على التوالي. ومن الجرائم التي كانت تعاقب بالإعدام في بعض الولايات الأمريكية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر القرصنة وتزييف النقود وفعل قوم لوط والاغتصاب والاعتداء الجنسي على الحيوان وإخفاء عبد بنية تحريره وتعدد الزوجات. وفي عام 1823م صدر قانون في بريطانيا أعفى حوالي 100 جريمة من عقوبة الإعدام. وفي عام 1840م فشلت محاولة لإلغاء عقوبة الإعدام، ولم تلغ العقوبة نهائياً في بريطانيا إلاّ عام 1970م.
وبالإضافة إلى جرائم القتل العمد، يُعاقب حالياً بالإعدام في كثير من بلاد العالم على جرائم المتاجرة بالمخدرات وجرائم الاعتداء الجنسي والخيانة الزوجية وزنى المحارم وفعل قوم لوط. وفي الصين يعاقب على جرائم المتاجرة بالبشر والفساد المالي بالإعدام. أما المحاكم العسكرية في أنحاء العالم فتعاقب الجنود على الفرار من الخدمة والتولي في المعركة والعصيان بالإعدام. أعدم الجيش الروسي 000,158 جندي بسبب الفرار من الخدمة خلال الحرب العالمية الثانية .الإعدام رمياً بالرصاص هو أكثر وسائل الإعدام شيوعاً في العالم، حيث تستخدمه أكثر من سبعين دولة. معظم تلك البلدان تستخدم فريقاً من الرماة في كل مرة. في الاتحاد السوفييتي السابق كانت تطلق رصاصة واحدة فقط على مؤخر الرأس، سواء في الإعدامات المدنيّة أم العسكرية. هذه الطريقة ما زالت تستخدم في الصين حيث تطلق الرصاصة على الرأس أو العنق، وفي الماضي كانت السلطة تفرض على أهل المعدوم سداد ثمن الرصاصة المستخدمة! أما في تايوان، فيحقن المحكوم عليه بحقنة مخدرة ليغيب عن الوعي قبل أن تُسدد إلى رأسه الرصاصة القاتلة.في الدول التي تستخدم فريقاً من الرماة يُربط المحكوم عليه إلى عمود ويوضع قناع على عينيه أو على رأسه بالكامل، ويُطلق كل من أعضاء الفريق رصاصة واحدة على قلبه. البنادق التي يحملونها تكون محشوة سلفاً؛ ولا تحتوي كلها على ذخيرة حية، بل إن واحدة منها أو أكثر تكون محشوة بذخيرة تصدر صوتاً دون انبعاث رصاصة منها، وتوزع عشوائياً على الرماة. جهل الرامي بنوع الرصاصة التي أطلقها؛ وهو موقن باحتواء بعض البنادق على ذخيرة غير حية ينقص من شعوره بالذنب. لذلك يأمل كل من الرماة أنه لم يُطلق الرصاصة القاتلة. القناع الذي يوضع على الرأس ليس لحماية مشاعر المحكوم عليه بقدر ما هو حماية لمشاعر فريق الإعدام والمراقبين خشية النظر المباشر إلى عيني المعدوم، ولتجنيبهم مشاهدة التعبير المرتسم على وجهه ، وما قد يعتريهم جراء ذلك من أسى وحزن أو عقد نفسية أو كوابيس تروعهم .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.