سنجار… كيف تحررت من داعش وماذا بعد؟

lpo[

يبدو ان صراع الأحزاب والقوى السياسية الكردية راح يتمدد ويتسع الى خارج حدود اقليم كردستان التقليدية المتعارف عليها، وسيناريو تحرير مدينة سنجار التابعة لمحافظة نينوى بطريقة دراماتيكية سريعة تشبه في بعض جوانبها سيناريو احتلالها صيف العام الماضي، ومن ثم المواجهات المسلحة في قضاء طوزخورماتو، تمثل مؤشرات أولية مقلقة وخطيرة على ذلك التمدد وما يمكن ان يخلفه من آثار وتداعيات سلبية في مناطق تمتاز بتركيبتها الديموغرافية المعقدة والحساسة.هكذا يتحدث ساسة في بغداد، وهم يعبرون عن قلق حقيقي ازاء ما يجري في سنجار وطوزخورماتو من أحداث تتجاوز تحديات وهواجس وجود تنظيم داعش الارهابي، لتفتح الباب ولو قليلا لمرحلة ما بعد داعش. وفيما يتعلق بمجريات الامور في سنجار، التي لا يمكن فهم ابعاد وخلفيات احداث طوزخورماتو دون التوقف عند «سنجار»، فإن الأمر اللافت والمهم جدا، هو ان عملية تحريرها تمت في فترة قياسية جدا، ولم تشهد مواجهات حقيقية وطويلة مع تنظيم داعش، والدليل على ذلك، هو انه لم تسجل خسائر بشرية في صفوف الدواعش، ولم يتركوا أية أسلحة أو معدات أو وثائق في المواقع والأوكار التي كانوا يشغلونها، وكذلك فإن وسائل اعلامهم لم تبد أية ردود فعل ولم تتحدث بطريقة أو بأخرى عن معركة سنجار، أضف الى ذلك فإن رئيس اقليم كردستان المنتهية ولايته مسعود البارزاني ظهر سريعا في سنجار، وألقى من هناك خطاب النصر، في الوقت نفسه الذي اعلن فيه الأميركيون أنهم لعبوا دورا كبيرا في تحرير سنجار من داعش، كما كان لهم دور في عملية تحرير مجموعة مختطفين في قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك قبل بضعة أسابيع.ولعل من بين القراءات التحليلية لسيناريو تحرير سنجار من تنظيم داعش، هو ان البارزاني اراد ان يصرف الأنظار عن أزمة رئاسة الإقليم التي شكلت عاملا ضاغطا بشدة عليه وعلى حزبه، وفي الوقت ذاته اراد ان يحقق مكسبا يرفع من رصيده الجماهيري، وبما ان الاطراف الاقليمية الأخرى غير مستعدة للتعاون أو التعامل معه، وبما ان الاميركيين اظهروا دعمهم ومساندتهم له في معركته مع خصومه من حركة التغيير «كوران»، والاتحاد الوطني الكردستاني والاتحاد الاسلامي والجماعة الاسلامية، لذا فإنهم – أي الاميركان- تفاعلوا وتجاوبوا مع فكرة تبني البارزاني لتحرير سنجار، وهو ما مهدوا له بضربات جوية، وبمعلومات جعلت داعش ينسحب، بعد ان حصل على نوع من التطمينات بعدم التعرض لمسلحيه في حال لم يلجأوا الى خيار المواجهة.ولكن لم يكن بامكان البارزاني ان ينفرد بالساحة لوحده ويجيّر النصر له بالكامل، ولا الأميركان ارادوا ذلك، فقد كان هناك حزب العمال الكردستاني التركي (P.K.K)، وكان هناك ايضا وحدات عسكرية مسلحة من الايزيدييين الذين يشكلون غالبية سكان سنجار، وراح كل طرف يحاول احكام السيطرة على اكبر مساحة ممكنة، ويرفع اعلامه الخاصة، وهو ما حدا بالبارزاني الى الدعوة لرفع علم اقليم كردستان فقط، ما فتح عليه سيلا هائلا من الانتقادات اللاذعة، باعتبار سنجار مدينة عراقية، ناهيك عن كونها لا تقع ضمن حدود اقليم كردستان، الامر الذي دفعه بعد اقل من اربع وعشرين ساعة الى الإيعاز برفع العلم العراقي الى جانب علم الاقليم، بيد ان ذلك لم يكن كافيا لإمتصاص موجة الغضب الواسعة ضده.وأكثر من ذلك يقال ان المجموعات الايزيدية التي قامت بطرد العوائل العربية القاطنة في سنجار ونهب ممتلكاتها، هي في واقع الأمر تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني وممولة بصورة مباشرة منه، وهذه العملية جاءت كجزء من الخطوات الهادفة الى «تكريد» المدينة كمقدمة لضمها الى الاقليم، ودعوة البارزاني لتحويلها الى محافظة لا تخرج عن سياق هدف الاستيلاء والضم. وفي إطار هذه التفاعلات ومجمل ردود الأفعال بشأنها، يبدو ان الحزب الديمقراطي الكردستاني لن يهنأ بالمكسب الذي ساعدته واشنطن بالحصول عليه في سنجار، وهذا ما ينطبق على غريمه، الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي ما ان شاهد البارزاني في سنجار مزهوا بالنصر، حتى انقض على قضاء طوزخورماتو ذي الأغلبية التركمانية، التابع لمحافظة صلاح الدين، ليحقق توازنا في القوى، ولا يتخلف عن ملحمة ضم المناطق المتنازع عليها للإقليم، وبما ان الأمور في الأخير متجهة نحو التفكك والتشظي الى إدارتين أو ربما أكثر، فمن الطبيعي ان لا يكتفي الاتحاد الوطني بأن يراقب الديمقراطي الكردستاني وهو يستولي على سنجار.وما اختلف في طوزخورماتو هو ان بيشمركة الاتحاد الوطني الكردستاني فتحت جبهة مواجهة مع قوات الحشد الشعبي التركماني، فقتلت عددا منهم واختطفت عددا آخر، أي ان تنظيم داعش لم يكن في الصورة، لا فعليّا ولا حتى شكليا، وفي تقديرها – أي قوات البيشمركة – انه وفقا لحسابات القوة القائمة على الارض، فإنها قادرة على فرض الأمر الواقع وبسط سيطرتها على القضاء، ليدخل الحزب فيما بعد في مفاوضات مع الآخرين من موقع القوة والسيطرة على الارض، دون ان يضع في حساباته ان هناك اطرافا ستتدخل وتضع حدا لما يحصل، وبالفعل اطلق قادة كبار في الحشد الشعبي رسائل واشارات واضحة مفادها «ان طوزخورماتو خط احمر»، في الوقت الذي اتخذ رئيس الوزراء حيدر العبادي جملة قراءات سريعة لإحتواء الموقف، والايعاز للأجهزة الامنية الحكومية الإمساك بزمام الأمور هناك، بالتزامن مع جهود للتهدئة ومنع اتساع نطاق المواجهات العسكرية. وعلى الرغم من ان التوقعات تذهب الى ان قوات البيشمركة لن تتنازل بسهولة، وأن حزب الاتحاد سيحاول تعزيز مكاسبه على الارض بمكاسب اخرى عبر المفاوضات، الا ان واقع الحال يشير الى ان المشاكل التي خلقها والتي سيواجهها حزب الطالباني في طوزخورماتو، لن تكون اقل مما سيواجهه حزب البارزاني في سنجار. في الوقت ذاته يحتم اسلوب الضم والإستيلاء الكردي، البحث عن منهجيات جديدة في التعاطي والتعامل مع الاكراد، لأن الأكراد بشقيهم – الديمقراطي والاتحاد- مضافا اليهما العناوين السياسية الأخرى، يعتبرون مدنا ومناطق اخرى في ديالى وصلاح الدين ونينوى جزءا من الاقليم، بسبب هويتها الكردية، مثل خانقين وجلولاء والسعدية ومخمور وكالار.وهم على استعداد ان يفتحوا جبهات للصراع والمواجهة، رغم تفككهم وتقاطعهم فيما بينهم، لاسيما اذا وجدوا من يدعمهم ويساندهم، ومن يجاملهم ويهادنهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.