السباق العالمي المحموم لإحراز الأرجحية الإختيار بين «الهيمنة و القيادة»… العولمة الأمريكية تسعى لتأبين مفهوم سيادة الدول وكبح القوى الطامحة

op[p][

يعد هدف الهيمنة والسيطرة هدفاً قديماً قدم الإنسانية ، لكن تعد سيادة الولايات المتحدة وتفوقها العالمي الحالي متميزة من حيث سرعة بزوغها على مستوى العالم ، وعلى مدى قرن واحد حولت الولايات المتحدة نفسها من دولة معزولة نسبياً في نصف الكرة الغربي إلى قوى ذات إستيعاب غير مسبوق وواسع الإنتشار, وفيما مضى كانت أوربا تمارس الهيمنة السياسية والإقتصادية والعسكرية على العالم، وعندما تقاسمت «فرنسا وانكلترا» كل من افريقيا ودول البحر الأبيض المتوسط بعد الحرب العالمية الاولى، كان على المانيا وإيطاليا واليابان أن تشعل نار الحرب العالمية الثانية «1939 – 1945م» لإستلاب نفوذ أوربا والسيطرة على جميع مناطق إستعمارها في منطقة المتوسط وفي شرق آسيا، ولكن الحرب إنتهت بتفوق الحلفاء وانهيار دول المحور، حيث لعبت الولايات المتحدة دوراً أساسياً في أنهاء الحرب، ثم اعلنت صراحة وعلى لسان «ريغان» في سبعينيات القرن الماضي عن حقها بالهيمنة على العالم أعتماداً على تفوق أقتصادها، وضمناً أعتماداً على تفوق قوتها الضارية ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية تشكلت ملامح الهيمنة الامريكية وبروزها كقوة وحيدة استفادت من تلك الحرب مع تراجع دور بقية اللاعبين الدوليين «بريطانيا وفرنسا …» ثم بدات ملامح الهيمنة بالتشكل بصورة جلية مع انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي، حيث منح انهيار الأخير الولايات المتحدة موقع المتفوق دولياً والذي لا يمكن الأستغناء عنه في تحقيق الأستقرار الدولي ومنذُ ذلك الحين بدأت الولايات المتحدة بالشروع في أتخاذ قرارات «حرب أو سلم» والتدخل في شؤون دول العالم كحامية للحقوق والحريات وفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية ضد أي دولة لم تتقيد بمعايير الرؤية الأمريكية للعالم . تعدّ نظريات الهيمنة أحدى اهم المفاتيح التي انتجها العقل الأمريكي في تعامله مع قضايا العالم برمته ومنهُ العربي، حيث تمت صياغة هذه النظريات بدقة وبعناية فائقة من النخب الأكاديمية وصناع السياسة في الولايات المتحدة ومنهم “زبغينو بريجنسكي و كوندليزا رايس” زبغينو بريجنسكي بولندي المولد ، أمريكي الجنسية ، تنقل في شبابه من فرنسا وإلى ألمانيا، قبل أن يحط رحاله في الولايات المتحدة الامريكية، حيث نال جنسيتها عام “1958م”، وتدرج فيها في نيل الشهادات الجامعية وترأس معهد الشؤون الأشتراكية، وعمل في ستينيات القرن الماضي مستشاراً لموظفي إدارات كل من “كيندي وجونسون” وتدرج حتى وصل إلى منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي لـ “كارتر” عام 1976م ابرز ما يميز فكر “بريجنسكي” هو تكراره المستمر لمقولات “خلق الأستقرار، الحفاظ على السلام، حقوق الأنسان” ، وبالطبع هذه المقولات معتمدة بشكل واسع في أدبيات السياسة الخارجية الامريكية، فدلالة هذه المقولات توصلنا إلى رؤية ومنهجية “بريجنسكي” للهيمنة الامريكية، فهي تعني أن الولايات المتحدة وصلت إلى القمة وعليها ان تكبح الحراك الجيوبوليتيكي للقوى الطامحة، لأنها بذلك تحافظ على سلطتها واحاديتها ، وتعني أيضاً المحافظة على المصالح الخاصة لأمريكا في حال وجودها، كما يمكن ان تعني منع تحرك الأطراف المنافسة الأخرى، لأن كل تحرك أو نمو في حراكها السياسي الخارجي في أي منطقة في العالم سيكون على حساب الولايات المتحدة الامريكية ويرى “بريجنسكي” أن الولايات المتحدة تمتلك كل عناصر التفوق عسكرياً وأقتصادياً وعلمياً وحتى ثقافياً، وهي بذلك مؤهلة لقيادة العالم نظراً لما تطرحهُ من شعارات براقة كحقوق الأنسان والديمقراطية، وهي بذلك أستوفت كافة شروطها وقادرة بذلك على التحكم بأنحاء كثيرة في العالم وإزاء ذلك ولتحقيق ديمومة الهيمنة الامريكية يدعو “بريجينسكي” الولايات المتحدة إلى ضرورة التفوق في مجال الصناعات الحربية ومجالات التقنيات العسكرية وجعلها اولوية تعلو أهميتها فوق أي مصلحة أخرى في السباق العالمي المحموم لإحراز الأرجحية والتفوق في القوة، فنزعة الهيمنة والتفرد في القوة في ظل ثورة الأتصالات والمعلومات أدت إلى أسلوب احتكار التقنيات، فالولايات المتحدة وبذريعة الحد من أسلحة الدمار الشامل تسعى إلى حجب المعلومات والأنماط التقنية من الصناعات الحديثة طبقاً للتطور التدريجي في العالم، او إيجاد وسائل “وقائية” تمنع انسيابية المعلومات للآخرين، وفي ذلك يرى “بريجنسكي” انهُ في سبيل تحقيق الهيمنة وفرض كامل القوة والسلطان قد يكون ممكناً لا وبل مرغوباً فيه إذا تم أستغلال ثمار الأبحاث على العقل الأنساني وسلوكه لأغراض سياسية أستراتيجية، وانه إذا ما أستخدمت أقاليم معينة من الأرض يمكن ان تعرقل يشكل خطراً على المخ عند قطاع كبير من السكان في اماكن معينة مختارة وعلى فترات طويلة ونفهم من هذا أن هذا المفكر يبدي تخوفه من العولمة بتداعياتها الثقافية والسياسية والتي مدت العالم بحركة اتصالات متطورة وبمعلومات وتقنيات حديثة، وبذلك يتوضح رغبة الولايات المتحدة في إبقاء شعوب الأرض بمستويات متدنية من التطور “دون مستوى الأمريكي” وخاصة في مجالات أبحاث الطاقة النووية ومع صعود تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة دعا “بريجنسكي” امريكا إلى الأختيار بين “الهيمنة أو القيادة” لأنهُ حسب تعبيره قاد المحافظون الجدد الولايات المتحدة إلى الدخول في مغامرة عسكرية غير محسوبة في العراق، والتي ادخلت الولايات المتحدة في نفق العزلة بشكل لم تألفه منذُ ستين عاماً، وبالتالي فأن اتخاذ امريكا موقع المهيمن على الأقتصاد العالمي سيضر بسياستها الخارجية، الامر الذي يمكن تفاديه عبر اتخاذها صفة القيادة والتخلي عن طموحات الهيمنة غير الواقعية في ظل تصاعد محسوس لقوى اوربية كبرى، وبالتالي يقترح “بريجنسكي” على الولايات المتحدة ضرورة التعاون مع القوى الأخرى “أوربا خصوصاً” لـ”لعب” دور فرض الأستقرار في العالم ان هذا المفكر يؤكد ضرورة جنوح الولايات المتحدة إلى التعاون مع اللاعبين الاخرين في الساحة الدولية لضمان الأستقرار الدولي من موضع الهيمنة لا القيادة ، وقد اتضح ذلك جلياً في قضية الازمة السورية وعدم التعاون الروسي الامريكي, وفي الجانب الاخر ياتي اسم “كوندليزا رايس” وتعد “رايس” احدى ابرز الشخصيات التي تولت حقيبة وزارة الخارجية الامريكية في الولايات المتحدة، وهي شخصية اكاديمية معروفة في الوسط الأمريكي ولها باع طويل في مجال السياسة أن اهم ما يميز “رايس” هو طرحها للهيمنة الامريكية في اطار رسمي كونها كانت تشغل منصب وزير الخارجية سابقة، وهي اول من اطلق مصطلح “الفوضى الخلاقة” وبلورته في اطار رسمي واعطائها الزخم الاعلامي الواسع بدءاً من عام “200م، حيث تحدثت عن ضرورة مرور الشرق الأوسط بحالة من الفوضى وعدم الأستقرار لبناء مجتمعات ديمقراطية جديدة “على حد تعبيرها” ، واكدت ان العالم العربي مقبل على فوضى من النوع الخلاق في ظل الشهور والسنوات القادمة “وهو ما تشهده المنطقة حالياً” مؤكدة ان بقاء المنطقة على حالة “الأستقرار الخداع” امر ضروري للهيمنة الامريكية حيث ترى في ركيزة الفوضى الخلاقة الأساس القوي والمتين في تدعيم الهيمنة الأمريكية على العالم، حيث وصفت الموقف الدولي عام 2005م بأنهُ موقف غير مستقر وان الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في العالم ستكون في البداية فوضى خلاقة ربما تنتج في النهاية وضعاً افضل مما تعيشه المطقة حالياً “طبعاً بالنسبة للولايات المتحدة” ، وتمضي “رايس” في معظم تصريحاتها بالنظر إلى حالة عدم الاستقرار إلى كونها ضرورية لتحقيق الهدف الذي تصرح به الولايات المتحدة من اجل ما تزعمهُ من تحقيق الديمقراطية والإصلاح السياسي والأجتماعي لضمان حقوق الانسان، فالتغيير الذي تسعى إليه الولايات المتحدة وفق هذا التصور هو العمل على تغيير الانظمة المعادية للولايات المتحدة أو المهددة لأمنها وامن حلفائها ، كجبهة متقدمة للأمن للأمريكي، دون الألتفات إلى الوضع الدولي أو القانون الدولي ، فالدول العظمى لا تتصرف في سلوكياتها بناءاً على ألتزامات اخلاقية بقدر ما تخفي سياساتها بنوع من البلاغة اللفظية النبيلة كالحرب العادلة ومحاربة الدكتاتورية ونشر الديمقراطية والسلام العالمي إلى ما هنالك من هذه الألفاظ والعبارات، وما اعلان الحرب على العراق واحتلاله دون الحصول على موافقة مجلس الأمن إلاَ دليل صارخ على مثل هذا التوجه، وبالتالي فان دعوة “كوندليزا رايس” هذه هي بمثابة دعوة لعولمة الهيمنة الامريكية وتأبين امبراطوري لمفهوم سيادة الدول, وفي المحصلة نجد ان تحقيق الهيمنة الامريكية على العالم سُنة أستراتيجية ثابتة لا تتغير رغم تعدد الإدارات والأفكار المؤدية لتحقيقها، ومهما تعددت الاطروحات والخطط ، بشانها ، فهي أستراتيجية لا تختلف عليها أدارات امريكية سابقة او لاحقة، وان المؤشرات التقليدية للهيمنة كالموقع الجغرافي والموارد الطبيعية وعدد السكان والقوة الاقتصادية والعسكرية ما كانت لتستثمر بشكل صحيح لو لم يكن هنالك جهد فكري وإطار نظري يرسم الملامح الأساسية لخارطة الهيمنة الأمريكية .مشكلة التاريخ هي في كونه شبيهاً بالكهانة… بدء التطبيق العملي لـ «تصادم الحضارات» تمهيداً لـ «نهاية التاريخ»إن إردوغان ليس بالغ الوضوح بنظامه الأوتوقراطي الذي يحامي عن لعبة شيطانية أكثر مما يهتم بمصالحه على المستوى الدولي وفي الوقت نفسه، هناك مشعوذ الديبلوماسية في الإيليزيه، “فرانسوا هولاند” الذي لم يعد يعرف أي خطاب يستعمل والذي يركز اهتمامه على قصص تتمحور حول غاز الكربون في الوقت الذي يواجه فيه ملايين الأشخاص مصيراً مأساوياً في الشرق الأوسط ولاننسى في هذا المشهد أن أذكر موقع إسرائيل، ذلك البلد الذي لا يتحرك إلا وفقاً لما تمليه عليه مصالحه، ويعتقد أنه على حق في مواجهته مع القانون الدولي أما “داعش” فيمكننا أن نتصور قدرتها على النمو عبر سيطرتها على مناطق نفطية تشكل ثقلاً معادلاً في هذا المجال لذاك الذي تشكله “فنزويلا” أو “نيجيريا” وبالطبع، فإن هذه النقطة مثيرة للقلق، ولكن كل شيء يتوقف على الأطر المحيطة بالوضع إذا ما شاء الأحرار في الغرب أن يتخلصوا من هذه الشمولية الإسلامية، فإن عليهم أن يتحركوا بشكل موحد، مع روسيا وإيران، وأن يتركوا جانباً هوسهم في معاداة بشار الأسد عليهم أن يتذكروا كيف تحالف كل من “تشرشل” و”روزفلت” مع “ستالين” ولا بد أيضاً من استراتيجيين جيدين في المجال العسكري ولا يشبهون الجنرالات الفرنسيين المسؤولين عن الهزيمة في الأربعينات ومن الضروري أيضاً أن تكون هناك وسائل إعلام شريفة كي يتمكن الرأي العام من حث القادة على المسير في الاتجاه الصحيح أو من مساندة القادة الذين يدعون إلى اعتماد بدائل أخرى المطلوب هو أناس يتمتعون بالرصانة لا بهلوانات من نوع “ميلونشون” و”ديبون” أو مدام “لوبين” ولا بأس أيضاً بتحليل فلسفي لكن مشكلة التاريخ هي في كونه شبيها بالكهانة الشيء الذي تصعب رؤيته أكثر من غيره هو المستقبل وحتى الحاضر من هنا، الإسلام الفعلي غادر تاريخ القرون الوسطى في حدود القرن الرابع عشر مخلياً بذلك المجال لإسلام آخر هو إسلام العثمانيين أما أوروبا فقد دخلت التاريخ في تلك المدة تقريباً، ولكن التاريخ الذي دخلته كان تاريخاً حديثاً، ثم معاصراً، ثم تاريخاً هو لا شيء، لأن أوروبا خرجت من التاريخ عام 1945، وهي ضائعة تماماً منذ السقوط السوفياتي عام 1992 كان “فوكوياما” قد أعلن نهاية التاريخ، بينما أعلن “هنتينغتون” صدام الحضارات، لكن سيناريو آخر يرتسم مع عودة إسلام ما إلى التاريخ انطلاقاً من بذرة زرعت في وقت غير معروف من القرن العشرين، لكنه الآن ظاهر بوضوح في هذه الحرب الشاملة وهناك لاعب أساس ولكنه غامض بما فيه الكفاية، وهو المملكة السعودية ولاعب آخر هو تركيا هل يمكن لأحد أن يتكهن بما يجري في رأس “إردوغان” وهل يعدّ نفسه “سليمان القانوني” ألم يعتبر “ساركوزي” نفسه نسخة عن نابليون ولكن هل نعلم من هي المملكة السعودية على وجه الحقيقة, كل هذا الحشد من الوقائع هو خليط متشابك من مثيرات القلق كان الأمر أكثر بساطة عام 1942 كان هنالك الحلفاء من جهة، ودول المحور من جهة أخرى في عام 2015، عندنا “داعش، والوهابيون، والسلفيون، والمعارضة المعتدلة في سوريا، والمعارضة الأقل اعتدالاً، والمعارضة المتطرفة، والجيش السوري الحر، وقطر، واليمن، والأكراد، وتركيا، والنفط، والمهاجرون، والروس، وإيران، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، ومدام ميركل، وأوكرانيا، وأوروبا، وفرانسوا هولند” يمكننا أن نقول أن أوروبا كانت تريد أن تقطع مع التاريخ، كما أنها كانت تعتقد بأنها خرجت من التاريخ الذي لم يكن، في نهاية المطاف، ولكن في الوقت الذي لم تعد أوروبا تريد فيه التاريخ لأنها تتمنى الخروج منه بشكل نهائي، هناك إسلام يريد العودة إلى التاريخ، وهذا يزعج أوروبا إلى ابعد الحدود ويزعج، بدرجة أقل، الولايات المتحدة التي تريد لنفسها أن تكون أمة تاريخية أو تصنع التاريخ، ولكن بعيداً عن حدودها، ودون أن تتحمل الأعباء الكارثية لذلك أما بوتين، فإنه يبحث بالقرب من دمشق عن شواطيء “كشواطئ النورماندي التي شهدت إنزال قوات الحلفاء التي طردت الألمان من فرنسا” لينقذ الغرب من التهديد الشمولي المتمثل بـ”داعش” ومن جهتها، فإن إيران تريد أن تحافظ على المحور الممانع، خصوصاً وأن اللاعبين في هذه الجولة المأساوية لا يكشفون عن نياتهم، ان النزعة التوسعية الوهابية ستستطدم حتماً بالواقع، أما عن تحركات روسيا، فإن الذين يكرهون بوتين غير مسؤولين لأن من الـ”غباء السياسي” أن نتمنى أن تحل الهزيمة بالقوات الروسية والسورية التي تقوم بالعمل الذي ترفض، اوربا أن تقوم به ضد “داعش” هناك عمل مطلوب لتصحيح ما ارتكبه القادة الأميركيون والأوروبيون من أخطاء في الملف السوري منذ عام 2012.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.