قلعة بهلاء العمانية.. مزج الفن بالأسطورة

io[po[p

تقود رحلة الزائر إلى نزوى، عاصمة الثقافة الإسلامية، بالضرورة إلى بهلاء، الواحة الظليلة العامرة بقصص اختزنها تاريخ المدينة على امتداد آلاف السنين، واحتفظ بها أهلها جيلاً بعد جيل، وبقيت متداولة في سوقها القديم إلى اليوم,الوافد إلى المدينة الرائعة المتخفّية بين الجبال يلمح من بعيد قلعتها الشاهقة التي عرفت كيف تحافظ على هيبتها منذ بناها الفرس، قبل الإسلام، وهو التاريخ الأرجح المتداول,وبحسب المؤرخين، فهي أكبر وأقدم القلاع العُمانية، شيدت جميع أجزائها من الطين، لتشكل مزيجاً معمارياً يعكس مختلف الحقبات التاريخية التي تداولت عليها منذ عصور ما قبل الإسلام، وتعد القصبة أهم أجزائها ويرجح أن بناءها يعود إلى مدة الوجود الفارسي في سلطنة عمان قبل الإسلام,وتتكوّن القلعة، أيضاً، من أجزاء أخرى تعود إلى عصر الدولة النبهانية، كالجزء الشرقي الجنوبي من القلعة، أما “بيت الجبل”، وهو أحد أجزائها، فتشير الدراسات إلى أنه بُني في العقد الأخير من القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، في حين بني “بيت الحديث” من القلعة في منتصف القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي)، وكانت أعمال الترميم التي قامت بها السلطات العُمانية قد كشفت عن مزيد من الغرف المدفونة بأكملها في طابقه السفلي، وبه العديد من الغرف والمنشآت الخدمية، وهذه التداخلات المعمارية والتأثيرات الخارجية أكسبتها أهمية كبيرة، خلافاً للعديد من القلاع العمانية,غير أن القلعة ارتبطت، أيضاً، بالأساطير والخرافات التي نسجها الخيال الشعبي حولها، وتروي إحداها أن الجنّ تكفّل برعايتها بعد أن سكنها ومنع الاقتراب منها. ويردد بعض سكانها، إلى اليوم، أن كل أعمال الترميم للقلعة تسقط بعد مدة وجيزة من إنجازها لتعود القلعة إلى كسوتها الطينية الأولى,وهي أول موقع عماني تمّ ضمه إلى قائمة التراث العالمي سنة 1987، وكذلك كل مكونات الواحة، وما كان داخل السور الذي يحيط بالمدينة الداخلية والذي يبلغ طوله حوالي 12 كلم، ويجري ترميمه إلى اليوم,ويعود تاريخ بهلاء إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وشهدت أحداثاً تاريخية هامة، حيث اتخذها النباهنة عاصمة ثانية لهم بعد نزوى، في المدة الأولى من حكمهم:(549 -906هـ/ 1154–1500م)، ثم أصبحت عاصمة رئيسة في المدة الثانية من حكمهم (964 -1034هـ/ 1556–1624م),ويذكر العمانيون أن المدينة استطاعت أن تقدم للعالم الإسلامي عدداً لا يستهان به من العلماء منذ سنوات الهجرة الأولى للإسلام,ولا يمكن للزائر الذي يفاجأ بهذا المزيج المعماري الهائل للمدينة التي بنيت بين واحات النخيل وشقت أزقتها وطرقها بينها، إلا أن يلحظ طبائع أهل المدينة، ويتمعّن في ما ابتكروه من طرق حفظ التمور وصناعة القهوة,وإذا دخلت إلى بيت من بيوتها، استقبلك أهلها بالرمان والفاكهة المحلية والواردة، وخصوصاً بالتمر المخزون الذي نُزعت نواه,المذهل هي قهوة المدينة التي تكتشف أنها قهوة تمر، إذ يُنزع النوى ويُحمّص ثم يُطحن، لتنتج عنه قهوة مختلفة المذاق عما يُعرف في مدن عربية عديدة,ويقول أهل المدينة إن هذه القهوة صالحة لعلاج أمراض كثيرة، خصوصاً أمراض المعدة، إذا جرى طهوها بطريقة مدروسة لا تخالف تعليمات الجدات اللائي احتفظن بسرها على امتداد السنين الطويلة,وتمثل زيارة بهلاء منطلقاً إلى مدن متاخمة لا تقل عنها جمالاً ومعماراً وتاريخاً استثنائياً، يقود إلى نزوى طبعاً، ولكنه يعرّج بك إلى الحمراء وإلى مسفاة العبريين المذهلة، التي نُحتت بيوتها في الصخور العالية على قمة الجبل الذي يتجاوز ارتفاعه ثلاثة آلاف متر، لتكتشف بعد مشهد الجبل الأصفر أنك وسط واحات وبساتين زُرعت فيها كل أنواع الفواكه,وعلى الرغم من صعوبة الوصول إليها قبل إنجاز الطريق الجديد، فقد تمسك أهلها بها ورفضوا مغادرتها، خصوصاً بعد أن اقتربت منهم ضرورات الحياة الحديثة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.