الأبواب الموصلة إلى رحمة الله ومغفرته

نكنمكم

بعد أن يجتاز الإنسان ساعة الحساب، ويتقرّر بحقّه المصير الذي يستحقّه، فإنّ السبل لا تنقطع أمامه، بل يبقى باب الأمل مفتوحاً لديه، من خلال التمسّك بباب الرحمة والمغفرة الإلهيّة، فإذا شملته هذه الرحمة، ونال المغفرة، أمكن أن تكتب له النجاة.ولكن الرحمة والمغفرة الإلهيّة لها أبوابها الخاصّة، التي ترتبط بالإنسان في هذه الدنيا،وهنالك أبواب تكون بين العبد وربه،وأخرى بين العبد والناس وسنتناولها تباعاً.

أولاً: أبواب العبد وربه

يتقبل الله جل وعلا من العبد العاصي الرجوع إليه والإنابة عن طريق عدة أبواب منها :
– التوبة
التوبة لغة: الرجوع من الذنب،والتوبُ مثله.وتاب إلى الله يتوب توباً ومتاباً: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة.
وهي من أهمّ أبواب الوصول إلى المغفرة الإلهيّة، يقول تعالى:”وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى” سورة طه،الآية 82.
وفي الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: “التوبة تستنزل الرحمة”.
ولكن ليس الحصول على التوبة والوصول إلى درجتها بهذه السهولة، وإنّما على الإنسان أن يستجمع شروطها، لتكون توبته توبة نصوحاً، ومن أهمّ هذه الشروط عدم التسويف فيها، بل الإسراع والإقدام عليها قبل فوات الأوان، يقول تعالى:”وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً”سورة النساء،الآية 18.
– الاستغفار
الاستغفار لغة : مصدر قولهم: استَغفَر يستغفر،وهو مأخوذ من غَفَرَ التي تدل على الستر في الغالب الأعم،فالغَفْر الستر والغفر والغفران بمعنى واحد لذا يقال: غفر الله ذنبه غفراً ومغفرة وغفراناً.وقال ابن منظور: “أصل الغفر التغطية والستر يقال: اللهم اغفر لنا مغفرةً استر ذنبنا.أما الراغب فيقول: “الغفر إلباس ما يصونه عن الدنس”.الاستغفار شرعاً: الاستغفار من طلب الغفران والغفران تغطية الذنب بالعفو عنه وهو أيضاً طلب ذلك بالمقال والفعال.يقول تعالى:”وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللهَ يَجِدْ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً”سورة النساء،الآية 110.
والاستغفار كالتوبة لا بدّ من المبادرة إليه فوراً، وعدم تأجيل ذلك، وقد ورد في الرواية عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنّه قال: “إذا همّ العبد بحسنة كُتبت له حسنة، فإذا عملها كُتبت له عشر حسنات، وإذا همّ بسيّئة لم تكتب عليه، فإذا عملها أجّل تسع ساعات، فإن ندم عليها واستغفر وتاب لم يُكتب عليه، وإن لم يندم ولم يتب منها كتبت عليه سيّئة واحدة”.ولكن الاستغفار الحقيقيّ لا يتحقّق في ظلّ ارتكاب المعاصي، بل لا بدّ للإنسان أوّلاً: من أن يتجنّب ارتكاب المعاصي، ثمّ يلجأ إلى الاستغفار، وإلا فإنّه بذلك سوف يقع في محذور أكبر من ذلك، فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام):”المستغفر من ذنب ويفعله كالمستهزئ بربّه”.
– الشفاعة
أما الشفاعة فهي لغة :شفع: الشفع ضم الشيء إلى مثله كما في مفردات الراغب، ويقال للمشفوع: شفع. والشفاعة: الإنضمام الى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة الى من هو أدنى
وفي لسان العرب الشفع: خلاف الوتر وهو الزوج تقول كان وتراً فشفعته شفعاً، اي صيرته زوجاً. والشفيع الشافع والجمع شفعاء.
ومن هنا عرفت الشفاعة في كلمات القوم بانها (من الشفع مقابل الوتر كأن الشفيع ينضم الى الوسيلة الناقصة التي مع المستشفع فيصير به زوجاً بعد ما كان فرداً فيقوى على نيل ما يريده ولو لم يكن يناله وحده لنقص وسيلته وضعفها وقصورها).
فإذا أراد الإنسان نيل ثواب من غير تهيئة أسبابه أو التخلص من عقاب من غير إتيان التكليف المتوجه إليه فذلك مورد الشفاعة وعنده تؤثر. وهي في الآخرة بصيص من الرجاء ونافذة من الأمل فتحها الشارع المقدس للعصاة حتى لا ييأسوا من روح الله ورحمته ولا يغلبهم الشعور بالحرمان من عفوه فيتمادوا في العصيان والعياذ بالله.والمهم في الشفاعة الشفعاء فهم من الأسباب التي جعلها الله عزّ وجلّ باباً لرحمته ولنيل مغفرته،وهم ليسوا أياً كان بطبيعة الأمر، فهم الذين أذن الله لهم بذلك يقول تعالى:”..مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ..”سورة البقرة ،الآية 255.
والناس جميعاً محتاجون إلى الشفاعة،لينالوا بذلك درجة المغفرة، ففي الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام):”ما أحدٌ من الأوّلين والآخرين إلا وهو يحتاج إلى شفاعة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة”.
نعم نيل الشفاعة من محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) يتوقّف على توافر شروط ذلك، ومن تلك الشروط عدم الاستخفاف بالصلاة، بل الاهتمام بها والمحافظة عليها، ففي الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا أمر باجتماع قرابته حوله وقد حضرته الوفاة :”إنّ شفاعتنا لن تنال مستخفّاً بالصلاة”.

ثانياً: بين العبد والناس
وهذا المورد يكون بالكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع أخيه الإنسان ويكون بـ:
– العمل الصالح المشروط بالإيمان
حيث نقرأ في سورة محمد،الآية 2 قوله تعالى:”وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ” وهنا نرى كيف جعل عزَّ وجل بعد الإيمان العمل الصالح الذي هو إسم جامع لكل معاني الخير في التعامل على أن يُصحب بالإيمان بما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تكفر السيئات ويصلح البال،وقوله تعالى في سورة فاطر ،الآية 10:”إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ”.والكلم الطيب هو ذلك الايمان والاعتقاد الحق الذي يكون في قلب العبد، فكلّما كانت نفس الإنسان مطمئنّة مسلّمة لله سبحانه وتعالى كانت أقرب لله تعالى، وهذا القرب هو الذي عبّر عنه تعالى بالصعود إليه وهو تعبير لطيف يناسب المقام، ويكون هذا القرب على درجات بقدر خلوص النفس له تعالى وابتعادها عن مغريات الدنيا وحطامها وبذلك تتعدد المراتب والدرجات من شخص الى آخر تبعاً لذلك الخلوص يقول تعالى:”يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” سورة المجادلة،الآية11.
ـ صدقة السر: وذلك قوله تعالى:”إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ”.كذلك ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:”أكثر من صدقة السرّ، فإنّها تطفئ غضب الربّ جلّ جلاله”.
ـ حسن الخلق والمودّة
إنّ نيل الشفاعة الإلهيّة، والتي هي بابٌ من أبواب المغفرة والرحمة يتوقّف على التمسّك بأسباب ذلك، ومن هذه الأسباب أن يمتلك الإنسان حُسن الخلق، وأن يتعامل بمودّة مع سائر الناس، ففي الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنّ أقربكم منّي غداً وأوجبكم عليّ شفاعة: أصدقكم لساناً، وأداكم للأمانة، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس”.
إنّ المودّة مع الناس والاقتراب منهم تجعل منهم جسداً واحداً، وهو بابٌ من أبواب الإيمان، لأنّ الإنسان ومن خلال سلوك طريق المودّة والرحمة، يتمكّن من جعل الناس أقرب إلى الإيمان وأبعد عن العصيان،لأنّ الناس من طبعها أن تقتدي بمن تحبّه وتودّه، وقد ورد في الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”ألا وإنّ ودّ المؤمن من أعظم سبب الإيمان”، وفي المقلب الآخر لو أنّ المؤمن كان عاجزاً عن اكتساب مودّة الإخوان،فإنّه سوف يكون سبباً لابتعادهم عن طاعة الله، ونفورهم عن الالتزام بالدعوة إلى الله.وهنالك مفسدات لحسن الخلق والمودة نبهنا إليها أهل البيت(عليهم السلام):”فعن الإمام الصادق (عليه السلام):”تحتاج الأخوة فيما بينهم إلى ثلاثة أشياء، فإن استعملوها وإلّا تباينوا وتباغضوا، وهي: التناصف، والتراحم، ونفي الحسد”.
ونحن نشهد في الكثير من الحالات كيف ينقلب الأخوة أعداء، وكيف تنقلب الأيّام بينهم، من حالة المودّة والرحمة والمحبّة المتبادلة إلى حالة من البغضاء والشحناء والكراهيّة والعداوة، فتذهب السنونُ التي سادها الوئام والمحبّة هدراً، ولا تؤثر في النفوس أثرها، وتبيّن الرواية أسباباً ثلاثة لذلك:
الأوّل: التناصف، أي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، فإنّ من أهمّ أسباب العداوة أن يلجأ الإنسان إلى تضييع حقّ أخيه الإنسان، حتّى لو كان ذلك عن غير عمدٍ، بل من باب التساهل والتسامح، ففي الرواية عن الإمام عليّ (عليه السلام): “لا تضيعنّ حقّ أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه”.
الثاني: التراحم، فإذا أخطأ الآخرون معك، واعترفوا لك بخطئهم، فإنّ عليك أن تقابلهم بالمودّة والرحمة، فلا تلجأ إلى القسوة عليهم، أو التشدّد في مؤاخذتهم. ففي الرواية عن الإمام عليّ (عليه السلام): “احتمل أخاك على ما فيه، ولا تكثر العتاب؛ فإنّه يورث الضغينة، واستعتب من رجوت عتباه”.إنّ أفضل بابٍ لتدخل الرحمة إلى قلبك أن تتذكّر مدى ما تحتاجه من رحمة الله عزّ وجلّ في يوم القيامة، ففي الرواية عن الإمام عليّ (عليه السلام):”إرحم من دونك، يرحمك من فوقك، وقس سهوه بسهوك، ومعصيته لك بمعصيتك لربّك، وفقره إلى رحمتك بفقرك إلى رحمة ربّك”.
الثالث: الحذر من الحسد، فإنّ الحسد بابٌ من أبواب جهنّم، إذا أصاب الإنسان بطلت الأخوّة والمودّة، وانقلبت عداوة وبغضاء، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):”الحاسد يظهر ودّه في أقواله، ويخفي بغضه في أفعاله، فله اسم الصديق وصفة العدوّ”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.