داعـش تتـلاشى .. والاجنـدات تتعـالى

حسين شلوشي

التفجيرات التي حصدت عشرات الفرنسيين ونشرت الهلع في عاصمة الثقافة باريس, لا يمكن قراءتها في نطاق استعراض قوة داعش, بقدر ما تقرأ في مسار خيبتها واندحارها الواقعي في سوريا والعراق, لانها لم تأتِ في اتون تقدم وتمدد داعش في الاراضي السورية والعراقية ولاسيما بالعام الماضي 2014, بل أنها جاءت بعد تقويض وحصر داعش بمناطق محددة في العراق وقلعها من مناطق التواجد الحيوي لدولتها المفترضة في غرب وشمال العراق, وأعني بذلك اكمال تحرير محافظة صلاح الدين وحافات الموصل وقضاء سنجار بالاضافة الى غلق جنوب بغداد وشرق الرمادي وغربها وشمالها لتتوقع بمنطقتين في الانبار الشاسعة المساحة بقياس مساحة العراق , وهاتان المنطقتان هما الرمادي والفلوجة وربما تنتهي في نهاية العام وتكون الموصل مقبره اخيرة لداعش في العراق.
ان المسافات والمساحات الواسعة في الرمادي وصحراء سامراء التي شكلت مادة دعائية لداعش بلغة الارقام اصبحت شوارع وممرات لسيارات الجيش العراقي والحشد الشعبي وفصائل المقاومة وساحات تدريب ((لجماعات)) ربما تقاتل بعد القضاء على داعش , بالنسبة الى سوريا فأن موازين المواجهة واضحة والجماعات محاصرة في الارض والسماء وليس من طريق للمجاميع الاجرامية إلا الفناء أو الفرار وهو ما يحصل الآن بعد أن استهلكت داعش أهم وابرز نقاط قوتها المادية والمعنوية, فهي تخسر يومياً مراكز قيادتها مع قادتها, وتحطمت ستراتيجية المقاتل الانغماسي والاخر الانتحاري الذي يمثل سر نجاحها المباشر في المعركة وادبرت الكفاءات التي تعمل معها في اختصاصات علمية هندسية وطبية وادارية مالية وفر الكثير منهم كل الى بلده, خاصة الى اوربا كما تبين الوول ستريت جورنال, والاخر المهم هو تهافت بريق الخطاب الاعلامي الداعشي في مستويات الايدلوجيا التي يقدمها وترفضها مصادرها ذاتها أو من سنخيتها (السلفية والمذاهب السنية بشكل عام) وايضا على مستوى الدعاية السلبية (نشر الرعب) الذي اصبح أمراً طبيعيا بل وحافزاً للمقاتلين لقتال جميع هؤلاء وعدم اتاحة الفرصة لهم أن يأسروا مقاتلاً ويتعذب بأيديهم, وهو ما ينعكس في عدم الاستجابة الكبيرة لدعوات الهجرة الى القتال في سوريا والعراق, قد لاحظ المتابعون أن دول أوربا والغرب يعرفون القيادات الارهابية عندما كانت في سوريا ولا يحركون ساكنا الا عندما عادوا الى بلدانهم ولذلك فأن من يفلت من العقاب في الاراضي العراقية والسورية من مقاتلي (داعش) أولئك الذين يشكلون جماعات الحرب بالوكالة ( Proxy war ), وبضمان وحماية الدول الراعية وهذه ستكون اكثر وضوحاً في العراق وتختلط قليلاً في سوريا وذلك بسبب تعدد الرؤوس (الداعشية) في سوريا وتغطيتها بعناوين معارضة مسلحة وأخرى ارهابية. ان داعش وهي تقاتل وتمارس جرائمها البربرية لم يكل لسانها يوماً عن الوعد بالنصر ابداً وبيقينية القضاء على حكومات العالم سواء الدول العظمى أو المتقدمة أو الدول النامية, ولا تقبل بمعذورية هذه الدول كلها منفردة أو مجتمعة ولم تعلن عن تفاوض سياسي علني لها مع اي دولة, وان كان لها تفاوض فهو ينتهي في الغرف المغلقة أو تكون احياناً على جبهات التماس المباشر مع الجيوش التي تقاتلها, الا ان جميع الاطراف الاخرى دولاً وحكومات واحزابا وغيرها, تطلق عنان الكلام السياسي والدعوة للحل السياسي متوازيا مع اطلاق النار في الجبهات ودون الالتفات الى حجم هذه النار واثرها في المواجهة مع داعش, فضلاً على اصوات الداعمين لداعش ودمروا الدولة السورية والدولة العراقية, بدواعي المصالح القومية لهذه الدول وستراتيجياتها لحماية انظمة الحكم فيها (امريكا, تركيا, السعودية), واخرى كانت ادوات في بطون هذه الاستراتيجيات (قطر, الامارات). ان اقليم كردستان العراق كان سباقاً في التحرك نحو اهدافه التي حددها في توسعة اراضي الاقليم وبناء الامن القومي الكردي خارج المناطق المحددة للأقليم دستوريا (دهوك, اربيل, سليمانية) متكئاً على مفردة (المناطق المتنازع عليها) والمادة 140 التي انتهى مفعولها الدستوري وهذه المناطق يقطنها سكان اكراد بحجم محدود مع قوميات وأقليات اخرى تشكل كثافة سكانية فيها.
مثل اقضية ومدن سنجار وسهل نينوى وتلعفر وطوزخورماتو والسعدية وغيرها, الا أن هذا الملف (الكردي) يبقى في حدود الاجندات الدولية سياسيا, بالرغم من التأسيس الكردي على الارض, وأن التعقيد, فيه انه لا يندرج باكمله كوحدة واحدة في اجندة دولة واحدة, بل يبقى ملفاً يجري تداوله في مكاتب دول الصراع الرئيسي في سوريا والعراق (امريكا, روسيا, ايران, تركيا, السعودية).
هذه الدول ستكون لها الكلمة الفصل في مستقبل الأقليم بدءاً من رئاسة وحكومة الأقليم القادمة الى مشاريع الانفصال, ولاسيما دول (ايران, تركيا, امريكا) ثم تتوالى ملفات العراق الأخرى والتي ستحدد مستقبل الدولة العراقية والمنطقة ويبرز في مقدمها شكل وجغرافية الأقليم السني, الذي تدفع به (امريكا وتركيا), وتساعد به بشكل كبير دولة قطر لاهداف اقتصادية قد ينهيها الاشتراك الروسي في سوريا, بينما تشترك المملكة العربية السعودية للعبث في هذا الملف واستخدامه للنفوذ داخل القرار العراقي, وهذا الخيار مازالت تعارضه الجمهورية الاسلامية الايرانية, من الواضح أن الحكومة العراقية واحزاب العملية السياسية والدولة العراقية برمتها مغيبة وغائبة عن كل هذا وعاجزة عن التأثير في أيقاف أو قبول أي من هذه المشاريع, والى الأن لم تتمكن من حسم خياراتها بالتوافق أو الاتساق مع أي من هذه المشاريع وكذلك لم تنتج مشروعاً عملياً خاصاً. واذا كان القرار الجغرافي في العراق واضحاً بأسسه القومية والمذهبية فأن الدولة السورية ستكون أكثر تشظياً وانقساماً لأ نها الآن تمثل ساحة الحرب العالمية الثالثة وهي بأكملها تمثل منطقة أمن أستراتيجي لكل دول الجوار والأقليم بالاضافة الى الولايات المتحدة وروسيا والكيان الصهيوني وبالتالي فأن التقطيع سيكون ضامناً لهذه المصالح وترتيبها بعد داعش وليس مهماً ان تكون سوريا ديمقراطية أو قومية أو دكتاتورية أو أن تكون حكومة الاسد أو غيره, وان الواقع الاولي يشير الى أنها يمكن ان تذهب الى خمس مناطق نفوذ تحكمها ستراتيجيات الولايات المتحدة واسرائيل لحماية أمن الكيان, والاردن ودول الخليج لحماية نفسها من الحدود مع سوريا لاسيما المنطقة الجنوبية التي ستنحصر فيها جماعات دعش, وروسيا, وتركيا, والجمهورية الاسلامية الايرانية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.