على العالم أن يتعلم من العراقيين

12

ان يحتضن شعب، نحو 27 مليون انسان في مكان واحد، وخلال ايام لا تتجاوز اعدادها اصابع اليدين، وفي ظل ازمة اقتصادية خانقة يعيشها، وفي ظل تفجيرات وذبح تتهدده من أشرس وأقسى العصابات التكفيرية، ويعود هذا الحشد البشري الضخم الى من حيث أتى، معززاً مكرماً مسروراً، دون ان تسجل حالة واحدة عن اختناق او تدافع، او خرق امني، لهو فضيلة كبرى تُحسب لهذا الشعب الكريم المعطاء.وهذا الشعب ليس سوى الشعب العراقي، شعب الحسين (ع)، وما هذا التجمع المليوني الا زوار اربعين الحسين (ع).الملفت ان مجلس محافظة كربلاء المقدسة يسعی الی مغادرة اسلوب الأزمة في ادارة الزیارات الملیونیة عبر التخطیط المستدام، وأنه يخطط لإستقبال نحو 50 ملیون زائر مستقبلا، فقد وصل عدد المواكب والهیآت الخدمیة والعزائیة الحسینیة المشاركة في احیاء زیارة اربعینیة الامام الحسین (ع) هذا العام الی (7680) موكبا وهیئة ولم تتوقّف هذه المواكب والهیآت عن الخدمة لتواصل اللیل بالنهار لشدة زحام الزائرین الذي بلغ ذروته منذ منتصف لیلة العشرین من صفر.ولما كانت اربعينية الحسين (ع) تمثل اكبر حشد بشري على الارض، أعلنت وزارة الثقافة والسیاحة والآثار العراقیة سعیها لتسجیل زیارة الأربعینیة في منظمة الیونسكو العالمیة، بعدّها اكبر تجمع دیني عفوي في العالم، دون ان تكون وراء هذه الظاهرة جهة حكومية او منظمات دولية او اقليمية او عراقية.النجاح المذهل الذي حققه العراقيون، والمتمثل بإدارة هذا الحشد البشري الكبير، والذي وصل الى 27 مليون انسان، دون تسجيل اي خسائر بين صفوف الزوار، الذين قدموا من 60 بلدا ويتحدثون بعشرات اللغات، رغم الحالة الاستثنائية التي يمر بها العراق، حيث تسيطر عصابات «داعش» الارهابية والبعثيين على ثلث مساحته.رغم ان زيارة الاربعين، ظاهرة شعبية مئة بالمئة ولا دخل لأي جهة حكومية فيها، ولكن هذا النجاح، يجعل من ادارة العراقيين، لزيارة الأربعين، حالة يجب دراسة ابعادها، عسى ان تكون نموذجا يمكن تطبيقه، من الحكومات التي تشرف على ادارة المناسبات الدينية، بهدف التقليل من الكوارث الإنسانية التي كثيرا ما تقع في هذه المناسبات.اولى الجهات التي يجب ان تدرس ابعاد زيارة الاربعين وبدقة متناهية، هي السلطات السعودية، التي تتباهى بادارة مراسم الحج، منذ نحو 80 عاما، بينما لا يمر عام الا ويقتل المئات بل الآلاف من ضيوف الرحمن، بسبب سوء ادارة آل سعود لمراسم الحج، رغم ان عددهم بالكاد يتجاوز المليونين خلال السنوات الأخيرة، ورغم كل الإمكانيات الضخمة التي تمتلكها هذه السلطات، لاسيما كارثة منى التي زُهقت فيها ارواح نحو 8000 انسان وخلال ساعات طويلة بسبب التدافع، دون ان تقوم هذه السلطات باتخاذ اجراءات، كان يمكن ان تقلل من عدد الضحايا، كما شاهد العالم اجمع ذلك من خلال الأفلام والصور التي كشفت وللأسف الشديد استخفاف وعدم مبالاة رجال الإغاثة والأمن السعودي، في التعامل مع الضحايا الذين كانوا بأمس الحاجة الى الماء، ولكن وللأسف الشديد مات الآلاف ليس بسبب التدافع فقط بل من العطش، وعدم تقديم المساعدة لهم في حينها.اكثر الصور إيلاماً في كارثة منى، كان التعامل الإستعلائي والبعيد كل البعد عن الاخلاق والقيم الانسانية ناهيك عن الاسلامية، لرجال الأمن والجيش وعمال الإغاثة وطواقم الإسعاف مع ضحايا منى، وهو تعامل زاد في عدد الضحايا، لأنه كان تعاملا لا روح فيه ولا تعاطف مع الضحايا، فهناك هوة سحيقة تفصل بين رؤية آل سعود والوهابية الى الاسلام، وبين رؤية المسلمين الى الاسلام، وتناقض هاتين الرؤيتين، هو الذي جعل تعامل عمال آل سعود والوهابية، بهذه السلبية واللا انسانية مع ضحايا كارثة منى.في العراق، كان الأمر على العكس تماما، حيث كانت وكالات الأنباء والقنوات الفضائية، تتبارى في نقل صور في غاية الروعة والجمال عن الخُلق الاسلامي الأصيل والكرم الحاتمي لأهل العراق وهم يتسابقون في تقديم كل ما يطلبه الزوار القادمون من 60 بلدا، فيقدمونهم على انفسهم وأطفالهم وأهلهم، فأهل العراق والقادمون اليهم يتشاطرون حب الحسين (ع)، وبهذا الحب صنع العراقيون معجزة الأربعين، واحتضنت كربلاء في ايام معدودة نحو 27 مليون عاشق من عشاق الحسين (ع)، فإذا اراد العالم ان يتعلم من العراقيين، عليه اولا ان يتعلم درس «عشق الحسين»، فبدون هذا العشق لن يفهم درس العراقيين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.