سيادة البلاد وصيانة مصالحها العليا

ما بين رافض ومرحب بنشرِ قوات أميركية في العراق تحت ذريعة محاربة ( داعش ) الإرهابي، تباينت المصادر الإعلامية حول توغل قوة عسكرية تركية معززة بالدباباتِ والمدافع في الاراضي العراقية من دون طلب أو إذن من الحكومة العراقية.
إنَّ إصرارَ الإدارة الأمريكية على إرسالِ قوات برية أو خاصة إلى العراق يعكس في واقعه الموضوعي فشل مشروعها الرامي إلى تقسيمِ البلاد بفعلِ الانتصارات الباهرة التي حققتها فصائل المقاومة الإسلامية بمختلفِ مناطق العمليات العسكرية، ولاسِيَّمَا آمرلي وجرف النصر وديالى وصلاح الدين ومناطق حزام بغداد، فضلاً عن الانبار، ما ألزمها اللجوء إلى هذا التوجه الخبيث، لأجلِ فرض التقسيم كواقعِ حال، على الرغمِ من إدراك الجميع وفي مقدمتِهم إدارة البيت الأبيض عدم حاجة العراق إلى تواجدِ أي قوات عسكرية أجنبية على أراضيه في ظلِ تنامي القدرات القتالية لمختلفِ فصائله العسكرية، إلا أنَّ تمسكَ الأمريكان بالتمهيدِ لتنفيذِ سيناريو ما بعد مرحلة داعش، فرض عليها الحرص على إعادةِ قواتها العسكرية مرة أخرى إلى العراق، الأمر الذي يجعلنا على يقين من دفعِ الإدارة الأمريكية لحليفتِها في حلفِ شمالي الأطلسي تركيا إلى اختراقِ الحدود العراقية وانتشارها في مدينةِ بعشيقة شمالي الموصل على مقربةٍ من المناطقِ التي تسيطر عليها عصابات ( داعش ) الإرهابية، مثلما حصل في حادثةِ إسقاط الطائرة الروسية في الأجواءِ السورية، التي باركتِها واشنطن بإعلانِها دعم الموقف التركي.
على الرغم من الانتهاكِ التركي للسيادةِ العراقية وتدخله السافر في شؤونه الداخلية، فإنَّ الأصوات الرسمية والإعلامية التي تعالت منددة بدخول بعض الزوار الإيرانيين من منفذِ زرباطية الحدودي إبـّـان الزيارة الأربعينية، لم يكن لها أثر في هذه الواقعةِ بعد أنْ غابت الأصوات المستهجنة، بما فيها أغلب أصوات البيت السياسي العراقي عن ساحةِ المواجهة مع حدثٍ كبير، لا يمكن تفسيره إلا بوصفِه عدوانا خارجيا على العراق، وخرقا فاضحا لسيادةِ بلد عضو في الأمم المتحدة!!.
الأمر الآخر الذي بدا أكثر غرابة، هو ما رشح من مواقفَ حكومية متباينة حول حيثيات هذه الواقعة، حيث نفى محافظ نينوى الجديد بمؤتمرٍ صحفي دخول قوات تركية إلى الأراضي العراقية بالتوافقِ مع إعلان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو أنَّ بلاده نسقت مع الحكومةِ العراقية الاتحادية بشأنِ الجنود الاتراك المتواجدين في محيط الموصل، في وقتٍ اكد فيه مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي، دخول قوات تركية إلى الاراضي العراقية بادعاءِ تدريب مجموعات عراقية من دونِ طلب أو اذن من السلطاتِ الاتحادية العراقية، معتبراً ذلك خرقا خطيرا للسيادةِ العراقية، بالإضافةِ إلى دعوته تركيا إلى احترامِ علاقات حسن الجوار والانسحاب فوراً من الاراضي العراقية. وما يعزز هذا الموقف دعوة الرئيس فؤاد معصوم في بيان بهذا الخصوص تركيا إلى سحب قواتها فورا، وتكليفه وزارة الخارجية العراقية اتخاذ الخطوات اللازمة لحمايةِ سيادة واستقلال البلاد، معتبراً نشر المئات من القواتِ التركية قرب مدينة الموصل العراقية الشمالية انتهاكا للأعراف والقوانين الدولية، إلى جانبِ مساهمته بزيادةِ التوترات الإقليمية، فيما أعلنت حكومة إقليم كردستان إنه في إطار التحالف الدولي ضد إرهابيي داعش، أقامت تركيا أواخر العام الماضي قاعدتين لتدريبِ وتأهيل قوات البيشمركة، بالإضافةِ إلى قاعدةٍ أخرى لتدريبِ القوات العراقية في محافظة نينوى، الأمر الذي دفع تركيا إلى القيامِ بإرسالِ خبراء ومستلزمات عسكرية إلى قاعدةِ الموصل بهدفِ توسيعها. ويضاف إلى ما تقدم ترحيب الجبهة التركمانية بالدعمِ العسكري التركي لتحريرِ الموصل. وأدهى من ذلك أنَّ مجلسَ النواب العراقي، لم يعلن عن عقدِ جلسة خاصة لمناقشةِ العدوان التركي الجديد حتى الآن!!.
إنَّ شدةَ التباين في الرؤى حيال مسألة وطنية تتعلق بسيادةِ البلاد وصيانة مصالحها العليا مثلما أوضحته البيانات والتصريحات الحكومية العراقية التي عرجنا بالإشارةِ إلى بعضِها، بالإضافةِ إلى الدعوات الخجولة لإجبارِ تركيا على سحبِ قواتها من أراضينا، تعكس واقعاً سياسياً تتحرك معطياته بفضاءِ أزمة خانقة، تفرض على أعمدةِ البيت السياسي، ولاسِيَّمَا الفاعلة منها في الشارعِ المحلي تضافر جهودها، لأجلِ فك طلاسمها وتصحيح ما يحدث من انحرافات، إلى جانبِ إدراك الجميع قداسة دماء الشهداء التي روت أرض العراق. ورحم الله الشاعر عمر أبو ريشة حين صدح بألمٍ ممض:
أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقـــــــلمِ!
أتلَقّاك وطرفي مطرق خجلاً من أمسك المنصرمِ
لا يُلام الذئبُ في عدوانه إن يكُ الراعي عدوَّ الغنـمِ
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.