التكبــر علــى عبــاد الله

علي العلي
من الأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان في سلوكه تجاه الآخرين هو التكبر عليهم، فمكمن خطورة هذا المرض هو أنه لا يصيب النفس فحسب،إنما هو ذو آثار سلبية تنعكس على المجتمع أيضاً،وذلك لأن التكبر مرض نفسي مرتبط بالأخلاق، فحين تفسد أخلاق الشخص تفسد أخلاق أترابه في المجتمع،وقد ذم الله تعالى في كتابه الكريم التكبر بقوله:»وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ»..إذ إن هذه الآية واضحة الدلالة على أن الله تعالى قد أخرج إبليس من الساحة القدسية وجعله من الصاغرين بسبب التكبر الذي أبداه رغم أنه قد داوم على عبادة الله آلاف السنين !!..والشيء نفسه فعلته السنة النبوية الشريفة مع التكبر،عندما ذمّت هذا المرض الخطير ونهت عنه،مبينة أنه يحول دون رقي وتكامل الإنسان المبتلى به،ومن ذلك أنه ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «إنَّ أحبَّكم إليّ وأقربكم منّي يوم القيامة مجلساً،أحسنُكم خُلُقاً وأشدُّكم تواضعاً وإن أبعدكم مني يوم القيامة الثرثرون وهم المستكبرون»..
وجدير بالإشارة أن التكبر مفهوم عام له مصاديق خارجية تشترك في الاتصاف بصفة التكبر،إلا أنها تختلف في مقدار اتصافها بذلك،أي»على نحو التشكيك لا على نحو التواطؤ» كما يقول الفلاسفة، وعلى ذلك فالمتكبرون يتفاوتون في تكبرهم ويترتبون في مستويات عدة..
المستوى الأول: التكبر على الله تعالى!!! وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصلها الإنسان المتكبر في مرضه هذا,إذ هو يرى نفسه نداً لله تعالى الذي قال في الحديث القدسي:»الكبرياء ردائي فمن نازعني ردائي كببته على منخريه في نار جهنم».
المستوى الثاني: التكبر على الأوامر الإلهية،وهذا يرجع بالأصل إلى التورط في التكبر على الله تعالى.
المستوى الثالث: وهو ما نحن بصدد الحديث عن آثاره الفردية والاجتماعية، ويتجلى في سلوكية التعالي والتكبر على عباد الله تعالى..وهذا النوع من التكبر يدخل في التكبر على الله تعالى, وذلك لأن من نهى عن التكبر على الناس هو الله تعالى نفسه، فهو سبحانه يحب خلقه..
إن من الآثار الجسيمة للإصابة بمرض التكبر هو انحسار المودة وفقدان الثقة وانتشار الكراهية والبغضاء بين أعضاء المجتمع وفئاته وشرائحه وجماعاته وطبقاته..
ومن أعراض التكبر تعصب المتكبر لرأيه وإصراره على فرضه على الآخرين رغم علمه في قرارة نفسه في كثير من الأحيان بأنه مجانب للصواب، وأيضاً يؤدي التكبر الى سلب المتصف به الفضائل وإكسابه الرذائل التي من أخطرها عدم القابلية للاستماع الى الناصح الشفيق وعدم الخضوع للمؤدب الحكيم..
ويمكن بسهولة تشخيص ما إذا كان أحد ما مبتلى بهذه الصفة الذميمة، وهي التكبر، بملاحظة شكله وطريقة كلامه وتعامله مع الآخرين، فإذا كان ينظر إليهم نظرة دونية كأن يطالبهم بالتصرف معه على أساس أنه المتفوق عليهم وأنه لا مثيل له, وأيضاً إذا كان مكثراً في الحديث عن نفسه ولا تنفك عن لسانه كلمة «أنا», ولا يمل من استعراض انجازاته والتنويه بعبقريته وذكائه وعلمه وتفوقه وسائر قدراته، حتى لو تكلم عن ذلك طوال الوقت دون أن يصمت.. ومن جهة آخرى يحرص المتكبر دائماً على إجراء المقارنات بين مزاياه وعيوب الآخرين وإثبات أنه الأفضل دوماً بالحط من قدر زملائه وتحقيرهم والتقليل من شأنهم بشتى الطرق والوسائل، بل يحاول بكل ما أوتي من إمكانيات تمييز ذاته شكلياً عن بقية الناس، من خلال اتخاذ طريقة لافتة في المشي والنظر..إن حيثيات الحديث عن التكبر والمتكبرين ـ والعياذ بالله ـ متعددة بتعدد المستويات والمكانة الاجتماعية ومجالات الحياة،إلا أن ما هو جامع مانع في بيان قبحه هو خطره على كيان وروح الإنسان.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.