من الذاكرة حقائق عن إتصال عبدالناصر والضباط الأحرار في العراق

يقولُ العميد خليل ابراهيم حسين مؤلف موسوعة 14 تموز الشهيرة وأحد أوائل الضباط الأحرار في ص130 ـ 136 من كتابه (اللغز المحير عبدالكريم قاسم. بدايات الصعود ) الجزء السادس الصادر في بغداد عام 1989 وهو يوثق بشكل علمي وموضوعي للثورة قبل تفجرّها.
وبعدها كتب لي اللواء الركن جمال حماد الملحق العسكري المصري في العراق سنة 1952 عن كيفية اتصال حركة الضباط الأحرار في العراق بالرئيس جمال عبدالناصر ما يأتي:
( بعد قيام ثورة 23 يوليو في مصر عينت في سبتمبر ـ أيلول ـ 1952 ملحقاً عسكرياً في عدد من الدول العربية في آن واحد وهي سوريا ولبنان والاردن والعراق بصفتي أحد الذين قاموا بدور رئيس في انجاح الثورة.)
كان مكتبي في دمشق باعتباره مكاناً متوسطاً بين العواصم الأربع.. كنت أقوم بزيارات عمل لكل من بغداد وعمّان وبيروت لأن الغرض من تعييني كان هو لأكون حلقة الاتصال بين ثورة 23 يوليو وبين هذه الدول العربية. وفيما يختص بالعراق، فقد بدأت اتصالاتي مع المسؤولين كلما زرت العراق. وكان نوري السعيد وزيراً للدفاع وكنت اتعامل مع كل من يتصل بي بحذر شديد لأني كنت أعلم جيداً ميول نوري السعيد وكبار المسؤولين آنذاك مع الغرب وخاصة انكلترا.. كنت أعتقد ان الضباط في المناصب الرئيسة الذين أتعامل معهم ضالعون بالطبع مع نوري السعيد وسياسته وبالتالي مع الانكليز وسياستهم.
ولكن تبين لي من اتصالاتي الشخصية ببعض الضباط العراقيين أثناء عملي انهم يتمتعون بقدر كبير من الوطنية الحقة وميولهم عربية قومية. وفي أثناء زياراتي لوزارة الدفاع تعرفت بالمقدم الركن اسماعيل العارف ضابط الركن الأول في شعبة العمليات (الحركات) عام 1953 ثم أصبح مديراً للشعبة وبعدئذ أصبح سكرتيراً لرئيس أركان الجيش. كنت معجباً بشخصية اللواء الركن وفيق عارف رئيس أركان الجيش.. وكان على قدر كبير من الثقافة العامة علاوة على اللياقة والدماثة في الخلق. وقد لمست انه شديد الرغبة في التعاون مع جمهورية مصر برغم القيود التي أعلم ان وزير الدفاع يفرضها على علاقات الجيش العراقي بثورة 23 يوليو.. اثناء ترددي على وزارة الدفاع ازدادت صلتي بالمقدم الركن اسماعيل العارف وكان ينتهز فرصة ملاقاتي القليلة ليوجه لي أسئلة عن طبيعة تنظيمات الضباط الأحرار في مصر وكيف نفذوا الثورة… الى آخره.
وكان يعبّر لي عن مشاعر تدل تماماً على وطنية وصدق وأهداف قومية حتى أني أعجبت كيف ان ضابطاً بمثل هذه الرتبة وبهذا المركز الحساس يتحلى بهذه الثورية الوطنية والروح العربية في نظام ملكي مستبد ضالع مع الاستعمار. ولكن في النفس شفافية وروحية يمكن للانسان المؤمن ان يميز بين الحق والباطل والطيب من الخبيث ولذلك اعتقدت ان مشاعر المقدم اسماعيل العارف هي مشاعر حقيقية.. وتحولت صلتي به الى صداقة واحترام.. وكنت حريصاً على مقابلته كلما زرت بغداد لأن مكتبي كان في دمشق.. كانت كل لقاءاتي معه تتم في وزارة الدفاع حيث انه لم يكن هناك مجال لكي التقي به في مقابلات شخصية بالخارج أو بالسفارة حرصاً عليه لأني أعلم العيون والأرصاد التي كان يبثها نوري السعيد.
في أيلول 1953 دعيت لحضور مناورات الفرقة الثانية الجبلية في شمال العراق في منطقة راوندوز فتوجهت الى بغداد على رأس وفد عسكري مصري حضر من القاهرة. وبعد وصولنا الى بغداد سافر الوفد بقطار الموصل.. وكنت في كابينة (قمرة) وأمضيت طوال الليل بالقطار في طريقنا الى الموصل: فوجئت بعد منتصف الليل بطرق خفيف على باب الكابينة ولما فتحت الباب فوجئت بالمقدم الركن اسماعيل العارف مرتدياً البيجامة (ملابس النوم) فأدخلته ورحبت به وأغلقت الباب: وابتدأ الكلام قائلاً انه انتهز الفرصة الوحيدة التي تمكنه من ان يلقاني فيها على انفراد دون أي رقابة من أحد منذ لقائي الأول معه في بغداد ولا يعلم أحد في هذا اللقاء إلاّ شخصين ستعرفهم في المناورات إذ انهم يشتركان معنا فيها، أهذا يسألني عن تنظيم الضباط الأحرار المصري كيف نشأ.. كيف استمر؟ كيف حدثت الثورة؟ ما تفاصيلها؟ ما اجراءات الحكومة المضادة؟ الى آخره.. فأجبته بما أعرف من معلومات لأني أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا في الثورة..
وبعد ان استمع الى إجاباتي قال اسماعيل العارف: ان هناك نخبة من الضباط العراقيين ينهجون نفس نهج الضباط الأحرار في مصر وانهم بدؤوا بتنظيم أنفسهم منذ مدة وانهم يجرون اتصالات سرية فيما بينهم وانهم مستمرون في عملهم حتى يحين الوقت الملائم لأحداث التغيير والقيام بالثورة التي ستطيح بالنظام الملكي الاستبدادي الفاسد في العراق وكل طلباتهم من قائد ثورة 23 يوليو جمال عبدالناصر هو معرفة مدى المساعدة والدعم حال اعلان الثورة. خشيت على الضباط الأحرار في العراق وعلى اسماعيل العارف نفسه ان سمع غيرنا هذا الحديث لأني أعلم ما حدث للضباط الأربعة العراقيين الذين قاموا بثورة 1941 وكيف علقوا على أعواد المشانق فأخذت أنصحه بضرورة مراعاة السرية الكاملة لأن أي معلومات ولو عن طريق الشك اذا وصلت الى المسؤولين العراقيين وخاصة نوري السعيد فليس معنى ذلك القضاء على أمل الثورة وانما معنى ذلك القضاء على نخبة من أخلص وأصدق الضباط العراقيين وطنية وروحاً عربية ومن العسير ايجاد مثل هذه النخبة قبل خمسين سنة أخرى اذا عرفنا ان ثورة 23 يوليو 1952 لم تحصل إلاّ بعد سبعين عاماً من ثورة عرابي ولكي أطمئنه ذكرت له انني لم أتكلم في هذا الموضوع كتابة أو شفاهاً إلاّ مع الرئيس جمال عبدالناصر شخصياً حتى لا تتسرب المعلومات حتى ولو عن حسن نية ولم أحاول أن أعرف منه أسماء الضباط الذين معه في التنظيم مراعاة للسرية ولكنه عرفني أثناء المناورات بالرئيس الأول (الرائد) رفعت الحاج سري وبالمقدم الركن عبدالسلام محمد عارف قائلاً:
انهما من قادة الضباط الأحرار.. وكان اسماعيل العارف على صداقة واضحة معهما وكان يتذمر من الوضع في العراق وينتقد النظام بشدة أمامهما مما جعلني أعتقد انهما من قادة التنظيم فعلاً وانهما المقصودان (بقوله ان لقاءنا هذا لا يعلم به إلاّ شخصان ستعرفهما في المناورات وانهما يشتركان معنا فيها، وانهما من قادة حركة الضباط الأحرار. حرصت على تنفيذ وعدي فلم أخبر انساناً بهذا الأمر وانتهزت فرصة سفري الى القاهرة بعد أسابيع قليلة من مغادرتي العراق وأثناء مقابلتي الرئيس جمال عبدالناصر أدليت له بتفاصيل الموضوع وان هناك تنظيماً للضباط الأحرار في الجيش العراقي وانهم يريدون ان يعرفوا ما المساعدات العسكرية والسياسية التي يمكن ان تقدمها ثورة مصر وبالذات الرئيس عبدالناصر الى الثورة العراقية حال قيام الضباط الأحرار بها؟.. لم يسألني الرئيس عبدالناصر عن اسماء الضباط الأحرار في العراق أو الضابط الذي اتصل بي وأبلغني بهذه المعلومات حفظاً على السرية وعلى سلامة التنظيم وأعضائه..
كما اني بدوري لم أخبر الرئيس عبدالناصر بالأسماء التي عرفتها للغرض نفسه ولأنه لم يطلب مني ذلك.. ولكنه أوصاني وطلب مني تأكد مدى جدية حركة الضباط الأحرار في العراق وهل الموضوع حقيقي أو مدبر من نوري السعيد كتمثيلية منه لمحاولة معرفة هل هناك تنظيم حقيقي أو لا وكذلك اصطيادي وتوريط مصر بالموضوع؟. ولكني أكدت للرئيس عبدالناصر ان الموضوع جدي ولا يقبل الشك وان الضباط الذين تكلمت معهم في المناورات وان الضابط الذي اتصل بي كلهم فوق كل شك أو اتهام. وعندئذ كانت تعليمات الرئيس جمال عبدالناصر ان أعود اليهم واتصل بهم سراً وأخبرهم ان مصر تدعمهم تماماً ولكنها لن تتدخل إطلاقاً في نشاطهم وتنظيماتهم واستعداداتهم للثورة. وعند اعلانها ستكون كل امكانات مصر المستطاعة دولياً تحت تصرفهم.. لأن في حالة الاتصالات المستمرة بين ثورة مصر وبينهم ربما أدى انكشاف هذه الاتصالات عن طريق مخابرات الغرب والعراق.. وفعلاً أبلغت اسماعيل العارف بتعليمات الرئيس عبدالناصر.
وانقطعت من ذلك التاريخ اتصالاتي بالضباط الأحرار تنفيذاً لتعليمات الرئيس جمال عبدالناصر تعمّد بعد تأكده من اخطار توجيهاته الى الضباط الأحرار في العراق ان يعين ملحقاً عسكرياً خاصاً بالعراق وحده وهو المقدم كمال الحناوي الذي كلف بواجب الاتصال. كان الرئيس جمال عبدالناصر حريصاً على قطع علاقتي بالضباط الأحرار في العراق حرصاً على السرية وعدم انكشاف أمرهم لأن الصداقة التي نشأت بيني وبين قادتهم الذين أشرت اليهم ربما لا يمكن اخفاؤها.. أما علاقاتي بالملك فيصل وبولي العهد عبدالاله في أثناء اشتغالي في العراق فالأثنان حاولا اكتسابي الى صفهما كلما حللت ببغداد. فكنت موضع اهتمامهما ورعايتهما الشخصية لدرجة انني كلما قدمت الى بغداد أجد مندوباً في انتظاري بالمطار ليأخذني مباشرة لمقابلة ولي العهد ثم الملك فيصل تقرباً من ثورة مصر لابعادها عن محور السياسة السعودية.
وذات يوم أقام لي ولي العهد عبدالاله حفلة شاي فاخرة في قصر الرحاب ثم اختلى بي لوحدي وأخذ يتحدث معي مدة ساعات ويحاول ان أكون وسيطاً له مع الثورة المصرية قائلاً: ان سياسة مصر التقليدية السابقة يجب ان تتغير لتميل نحو العراق وليس الى سياسة السعوديين كما كان الحال ايام الملك فاروق وسياسته الموالية للسعودية. وانه اذا كان هناك خلاف بين الهاشميين والسعوديين فما دخل مصر بهذا الخلاف؟ والوضع الطبيعي ان تكون مصر مع العراق. ومما يدل على مدى محاولتهم لاكتسابي الى جانبهم في مناورة راوندوز دعوتي للعشاء في سرادق الوصي وكان الملك والوصي قبل العشاء جالسين مع الخاصة من رجالهم ولم يتحرجوا أمامي من التصرّف على سجيتهم سواء في الحديث أو التندر مما يدل على انهم يريدون اعتباري أحد أصدقائهم.
لقد قابلت الملك فيصل في مكتبه عدة مرات وكنت أحاول ان أضمه الى السياسة المصرية ما دام قد عرض عليّ صداقة مصر. وكنت أحاول تحرير شخصيته من تسلّط الاستعمار الانكليزي الذي يفرضه خاله (ولي العهد) في العراق بحذر شديد. ولكني كنت ألاحظ انه كان ضعيف الشخصية الى حد كبير. فكلما سألته سؤالاً سياسياً معيناً لدعم سياسة مصر كان يقول سوف أعرض الموضوع على خالي مما جعلني لا أأمل فيه خيراً لسياسة مصر التحررية.وأخيراً أعلنت ثورة 14 تموز 1958 وسمعت نبأها من الاذاعة تلك الثورة التي كنت أول عربي غير عراقي سمع بالاستعداد للقيام بها في القطار المتجه للموصل.وكانت فرحتي متدفقة وعظيمة.. وصدق حدسي في اسماعيل العارف ورفعت الحاج سري وعبدالسلام عارف.مع العلم أني حفظت سر هذه الثورة داخل صدري ولم أتكلم مع أي مخلوق في هذا الكون إلاّ مع الرئيس جمال عبدالناصر..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.