مسؤولية الإنسان في صيانة القيم النبيلة

مواطن كولومبي بسيط، لا ينتمي إلى عشيرةٍ بمقدورِها إغلاق الطرق العامة عند نشوبِ نزاع مسلح مع عشيرةٍ أخرى، ولا تربطه علاقة قربى مع مسؤولٍ كولومبي بارز أو صداقة حميمة مع عضو مجلس بلدي في إحدِى النواحي النائية، فضلاً عن عدمِ وجود ما يشير إلى علاقته بأناسٍ في محيط دولته الإقليمي، ولا حتى علاقة نسب بأحدِ الموظفين الحكوميين.
شغل هذا الرجل المواقع الإخبارية والوكالات والصحف الأجنبية في الأيامِ القليلة الماضية بشكلٍ لافت للانتباه، ليس لوجودِ مؤشر إلى امتلاكه علاقة صداقة مع حفيدٍ لبعضِ أباطرة روما القدماء أو لأنه عميل لدولةٍ أخرى أو لظهورِ ما يثبت مساهمته في إنهاءِ ربيع العلاقة ما بين روسيا وتركيا أو لتأييده توغل القوات التركية في شمالي العراق. إذ أنَّ هذا المواطن الذي وسمته عائلته باسمِ (خوسيه ماريانا )، فلاح بسيط لا يختلف عن عامةِ الناس، الذين يعيشون في جمهورية كولومبيا، التي تقع في شمالِ غربي أمريكا الجنوبية، وتعد الدولة الوحيدة في هذه القارةِ التي تملك سواحل على المحيطِ الهادي والبحر الكاريبي.
إنَّ مردَ تسليط الأضواء على شخصية ماريانا متأتٍ من أمانته وكرم أخلاقه وشعوره النبيل بالانتماءِ الوطني، الذي أذهل بها العالم حين قاده معوله البدائي الى العثورِ على حاوياتٍ مدفونة بعنايةٍ مخبئ فيها كنز ضخم، قدرت قيمته من قبل المتخصصين بنحوِ (600 ) مليون دولار أمريكي، حيث كان الكنز مدفوناً تحت نخلة في أرضه الزراعية، التي تمتلكها عائلته منذ قرنين من الزمان. ولعل من المناسبِ الإشارة هنا إلى أنَّ قصةَ الكنز اللقطة لا يمكن أنْ تظهر إلى الوجودِ لولا حصولِ هذا الفلاح الكولومبي على قرضٍ حكومي بمبلغ ( 3000 ) دولار لأجلِ إقامة بستان نخيل في أرضه، الذي فرض عليه الشروع بالحفرِ لإدامةِ نخلاته القديمة، وزراعة أخرى جديدة. وأدهى من ذلك إثبات التحقيقات فيما بعد أنَّ الكنزَ يعود إلى تاجرِ سموم كولومبي يعد أحد أغنى تجار المخدرات والسموم وأشهرهم، أن لم يكن أكبر تاجر سموم على مستوى العالم، حيث قدرت ثروته بما يقرب من ( 30 ) مليار دولار أمريكي، فضلاً عن تصنيفه كسابعِ أغنى أغنياء العالم بحسبِ مجلة ( فوربس ) الأميركية.
لا مغالة في القولِ أنَّ البونَ شاسع ما بين شخص مفسد يتاجر بالسمومِ التي تضر بسلامةِ الإنسان ومجتمعه وأمن بلاده ومصالحها العليا، بالإضافةِ إلى ما يحدثه من شرخ كبير بمنظومةِ مجتمعه القيمية، وما بين فلاح بسيط يسعى جاهداً للحصولِ على قرضٍ حكومي لأجلِ تأمين لقمة عيش بشرفٍ لعائلته. إذ دخل الفلاح الكولومبي خوسيه ماريانا بأمانته ونبل أخلاقه التأريخ الإنساني حينما قام بتسليمِ الكنز الثمين، الذي عثر عليه في أرضه من دونِ أنْ يشعر به أحد إلى الحكومةِ الكولومبية من أجلِ إنفاقه على مشروعاتٍ اقتصادية واجتماعية يستفيد منها أبناء شعبه، متمنياً أنْ تكون حكومته أمينةً على ما سلمه إياها من أموال.
خلاصة القولِ إنَّ شعورَ المواطن والمسؤول على حدٍ سواء بإنسانيتهما، يلزمهما التجرد من عقدةِ الأنا، التي أكلت في بلادِنا كثيراً من رونقِ المنظومة القيمية، وتسببت بإهانةِ كرامة الوظيفة الحكومية، فأصبحنا على ما نحن فيه الآن.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.