إزدهار ظاهرة النزاعات العشائرية المسلحة

نزاعان عشائريان دارت رحاهما هذا اليوم المصادف للسابعِ من شهرِ كانون الأول من العامِ الجاري 2015 م في جنوبي العراق، لا يفصل بين زمن نشر خبرهما في وسائلِ الإعلام المحلي سوى ( 28 ) دقيقة، أولهما تجسد باستخدامٍ كثيف لمختلفِ الأسلحة النارية في صراعٍ ما بين طرفين ينتمون لعشيرةٍ واحدة حول مشروعية التصرف بأحدِ مشروعات سقي الأراضي الزراعية في قضاءِ سيد دخيل بمحافظةِ ذي قار، ما أفضى إلى إصابةِ شخصين من سكنةِ قضاء القرنة في محافظةِ البصرة كانا مارين عبر الطريق المؤدي إلى قضاءِ الجبايش، بالإضافةِ إلى إصابةِ امرأة من أهالي المنطقة ذاتها، فيما اندلع النزاع الآخر بمنطقةِ نهر العز شمالي محافظة البصرة ما بين أشخاص تعود اصولهم القبلية إلى عشيرةٍ واحدة أيضاً على خلفيةِ خلاف، تطور لاحقاً إلى مواجهاتٍ مسلحة انتهت بنقلِ جثث ثلاث قتلى إلى دائرةِ الطب العدلي.
يمكن القول إنَّ بعضَ محافظات العراق، تشهد منذ الاحتلال الأميركي عام 2003 م، نزاعات عشائرية دامية بين حين وآخر، تستخدم فيها أنواع الأسلحة كافة ، ما دفع بقيادةِ فرقة المشاة الرابعة عشرة في عام 2007 م، التي مقرها حينئذٍ بمحافظةِ البصرة إلى إنشاءِ مضيف خاص داخل أحد معسكراتها لأجلِ التعامل مع أطرافِ النزاعات العشائرية، إلى جانبِ إشغال هذه النزاعات القوات الامنية، وإجبار قياداتها على نشرِ بعض قطعاتها في المناطقِ التي تحدث فيها النزاعات تحسباً لتجددِها ومنع التوجهات الرامية إلى قطعِ الطرق الرئيسة الرابطة ما بين محافظات البلاد مثلما حدث كثيراً في الأعوامِ الماضية، فضلاً عن تدخلِ شيوخ العشائر والوجهاء وبعض المسؤولين في عمليةِ فض النزاعات المسلحة تمهيداً لرأبِ الصدع العشائري، الذي تسبب في أحيانٍ كثيرة بركونِ بعض العشائر إلى تجاوزِ سلطة القانون عبر تكليفها أشخاص مسلحين تابعين لها بمهمةِ نصب نقاط تفتيش على الطرق، واجبها طلب هويات المارة للاطلاعِ على ألقابِهم لأجلِ تأكيد انتمائهم إلى طرفِ النزاع الآخر من عدمِه.
من المهمِ الإشارة هنا إلى أنَّ النزاعاتَ العشائرية المسلحة تشكل أحد الظواهر المستهجنة في البلادِ جراء جملة عوامل، في مقدمتِها تجاوز سلطة القانون، بالإضافةِ إلى تسببِها بهدرٍ غير مبرر لكمياتٍ كبيرة من العتاد، الذي من المفترض استثماره في جبهاتِ القتال بدلاً من توجيهه إلى صدورِ أبناء البلد، إلى جانبِ إثارةِ هلع المواطنين وما تخلفه من إضرارٍ تتمثل بضحايا أبرياء ما بين قتيل وجريح، وإحراق المنازل، وتضرر سيارات المواطنين وممتلكاتهم، التي وصلت في العام الماضي إلى إحراقِ أحد المضايف العشائرية جراء استهدافه بقنبرةِ هاون، على الرغم من إدراكِ المهاجمين لهيبةِ المضيف، وقيمته الاعتبارية، ومكانته التاريخية المتمثلة بدوره الرائد في نشرِ الثقافة، فضلاً عن كونه مكان حسم القضايا العشائرية!!.
إنَّ مردَ النزاعات العشائرية وتداعياتها المؤسفة في مختلفِ محافظات البلاد ومن جملتِها العاصمة بغداد يعود أغلبه إلى مشاجراتٍ أو خلافات عائلية أو نتيجة الرغبة بالاستحواذِ على مياه السواقي والجداول من أجلِ ضمان عمليةِ إرواء المزارع والبساتين، أو على خلفيةِ تقسيم الأراضي الزراعية، أو ربما بفعلِ التجاوز على المحاصيلِ الزراعية، إضافة إلى ازدهارِ ظاهرة الثأر وما يلحق بها من آثارٍ تتعلق بمضامينِ قانون العشيرة، الذي لم يصمد أمام رغبات المجددين من شيوخِ العشائر، الذين استقطب اهتمامهم مفهوم ما بعد الحداثة بفعلِ شعورهم بالإحباطِ من الحداثة، التي يعود تاريخها بالنسبة لهم إلى مطلعِ تسعينيات القرن الماضي.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.