معاهدة 30 حزيران 1930 حفظت مصالح بريطانيا وحفنة من السياسيين العراقيين الخاضعين لها

نتنمكم

اعطت المعاهدة التي عقدتها بريطانيا مع العراق حقوقا قانونية لبريطانيا مما اسبغ عليها شرعية شكلية زائفة على تدخلها في شؤون العراق الداخلية والخارجية ، وحددت في فقرة من اهم فقراتها التزامات العراق ازاء بريطانيا بمنحها قاعدتين جويتين هما الشعيبة في البصرة وسن الذبان في الحبانية ، وتعهد الجانب العراقي بان ياذن للبريطانيين وضع قوات عسكرية في القاعدتين المذكورتين يحدد عددها بالتشاور مع الجانب العراقي حسب احكام الملحق العسكري للمعاهدة المعقودة بين الجانبين ، يتضح من ذلك انه ليس في المعاهدة نص يخول اقامة قوات بريطانية في العراق الا اذا كانت قوات جوية في القاعدتين المذكورتين فقط على ان يكون ذلك مقيدا بموافقة الحكومة العراقية بعد التشاور معها في الامر ، والعراق من جانبه يتعهد في حالة نشوب حرب ان يقوم بتقديم تسهيلات ومساعدات للقوات البريطانية داخل الاراضي العراقية ، بما في ذلك استخدام طرق المواصلات ضمن الحدود التي حددت في المعاهدة ، وهنا يفهم من نص المعاهدة ان المقصود بـ ( التسهيلات والمساعدات ) التي يقدمها العراق لبريطانيا في حالة اشتباكها في حرب ، ليس اقامة قوات عسكرية او تاسيس قواعد لهذه القوات في العراق ، وانما السماح بمرور القوات البريطانية عبر الاراضي العراقية فقط ، اما حراسة القاعدتين الجويتين في الشعيبة والحبانية فتكون من قبل لاقوات عراقية ، اما اذا ارادت بريطانيا تعزيز حراسة هذه القواعد فان زيادة الحراسة تكون بالمشاورة بين الجانبين العراقي والبريطاني ، كما ان الجانب العراقي يتعهد بتقديم التسهيلات بالسماح بمرور قوات عسكرية عبر اراضيه على وفق شروط معينة تضمن عدم استمرار وجودها في معسكراتها استمرارا دائميا ، ولا يسمح بنزول قوات اضافية الا بعد التأكد من ان الدفعة الاولى قد غادرت الاراضي العراقية ، ونصت المعاهدة ايضا على السماح للسفن البريطانية باستخدام المياه والموانىء العراقية ولطن بعلم مسبق من الحكومة العراقية .
اما التزامات بريطانيا ازاء العراق ، فأن ابرزها استخدام قوات عراقية لحراسة قواعدها في الشعيبة والحبانية على أن تتكفل بريطانيا بنفقات هذه القوات وتتعهد بتزويد القوات العراقية بالاسلحة والاعتدة والتجهيزات والطائرات من احدث الانواع على ان لا تختلف كثيرا في نوعها عن اسلحة القوات البريطانية .
ومن الجدير بالذكر ان العراق قام فعلا بتنفيذ التزاماته وتعهده تجاه بريطانيا كما اقرتها المعاهدة ، لكن بريطانيا على العكس من ذلك تجاهلت التزاماتها وتعهداتها تجاه العراق بموجب المعاهدة نفسها ، بل انها خالفت نصوص تلك المعاهدة حتى قبل قيام حكومة الدفاع الوطني عام 1941.
كان من ابر زالمخالفات التي ارتكبتها بريطانيا تجاه العراق ما يلي :
امتناعها عن استخدام القوات العراقية لحماية القاعدتين الجويتين في الحبانية والشعيبة وتجنيدها حرسا من قوات ( الليفي ) اختارتهم من اعوانها ثم حرمانها العراق بوسائل مختلفة من شراء ما يحتاج اليه من الاسلحة من الدول الاخرى كما ان بريطانيا فرضت على العراق موظفين بريطانيين كانوا برغم قلة خبرتهم يتقاضون رواتب باهظة ويتعمدون تبذير اموال الدولة ويحدثون الفرقة بين ابناء الشعب .
اما على صعيد نظام الحكم فان المعاهدة نصت على تاليف حكومة وطنية عراقية ، وقد يبدو هذا النص بريئا لا يهدف الى اكثر من مراعاة الوضع الداخلي للعراق والحفاظ على حقوق اقلياته , لكن ظاهره كان مختلفا تماما عن باطنه ، فقد كان الهدف الحقيقي من النص المذكور القضاء على الفكرة القومية والوحدة العربية ومنع ذكرهما حتى في الكتب والمناهج الدراسية التي تقوم بتربية الاجيال الجديدة ،كما ان المعاهدة فرضت النظام الملكي الوراثي على العراق واعطت فيه سلطة واسعة للملك حتى ولو لم يكن قادرا على ادارة دفة الدولة او كان جاهلا او صبيا او غبيا ، وقد رمت المعاهدة الى غاية بعيدة قد لاتخطر على البال من الوهلة الاولى وهي :ـ ان يكون الملك انكليزيا قلبا وقالبا في تربيته ونزعته وحاشيته ايضا حتى لايكون اكثر من مجرد العوبة في ايد سادته الانكليز ، كما نصت المعاهدة على تعيين مستشارين بريطانيين في الوزارات والدوار الحكومية تامينا للسيطرة البريطانية على الدولة وسلطاتها ومرافقها ، والتزمت المعاهدة بتشكيل جيش وطني في الظاهر ولكنها ارادته ان يكون جيشا مسلحا باسلحة انكليزية تهيمن عليه البعثات العسكرية البريطانية ، فتدربه على الفساد وتستخدمه في قتل المواطنين من ابناء جلدته بدلا من ان يكون سيفا يستخدمه الشعب في مقاومة المستعمرين ، واوجبت المعاهدة بان يتم تعيين ضباط للاستخبارات من الانكليز في مناطق العشائر والاقليات وكانت مهمة هؤلاء الضباط الحقيقية خلق المشاكل واثارة النعرات لأشغال الجيش وصرفه عن واجباته الاساسية واستنزاف جهوده .
اتفق اغلب الباحثين على ان تلك المعاهدة لم تحفظ الا مصالح بريطانيا وحدها ومصالح حفنة صغيرة من السياسيين العراقيين الخاضعين لها والمرتبطين بها ارتباطا مصيريا ، وكان ابرام تلك المعاهدة قد وقع في حينه وقع الصاعقة على القوى والوطنية التي حاربت مع الحلفاء ضد العثمانيين ، واكدت مجددا غدر الحلفاء بالعرب بعد غدرهم في معاهدة ( سايكس بيكو ) سيئة السمعة والاصرار على اذلالهم و استعبادهم واغتصاب حقوقهم ، وقد ادت المعاهدة الى تكبيل العراق بقيود ثقيلة وافقدته السيطرة على شؤونه الداخلية والخارجية، ولعل افضل وصف للدور التخريبي الذي قامت به تلك المعاهدة المشؤومة ما ورد على لسان الشهيد صلاح الدين الصباغ الذي افاد في مذكراته التي نشرت بعد استشهاده ما يلي بالحرف الواحد ( ليتنا لم نتقيد بهذه المعاهدة ولم نخضع لها ، اذا لبقينا على وحدتنا القومية وعقيدتنا الاسلامية كما كنا ايام الثورة العراقية ، ولما قتل الوطنيون منا بتهمة الخيانة الوطنية ) .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.