قوات تركية في العراق .. هربًا من الرد الروسي !

هخجخهحجح

الشعار الذي أطلقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ استلامه الحكم في تركيا “صفر مشاكل مع الجيران”، لم يُنفذ على أرض الواقع بأي شكلٍ من الأشكال، فقد شهدت تركيا خلال فترة حكم حزب الحرية والعدالة، أسوأ العلاقات مع الدول المجاورة لها، منذ سقوط الدولة العثمانية، وإعلان الجمهورية التركية، ليتحوّل الشعار مع بدء الأزمات في المنطقة الى شبه عداوة مع الدول المجاورة وعلى رأسها سوريا والعراق، حيث أن الأطماع التركية لم تكن محصورةً بالملف السوري. فتركيا التي زعمت ان سبب اسقاطها للطائرة الروسية، هو خرق الأخيرة للسيادة التركية، قامت بنشر قوات من الجيش التركي داخل الأراضي العراقية في مناطق قريبة لمدينة الموصل، التي يُسيطر عليها تنظيم “داعش”، الارهابي من دون علم الحكومة العراقية، في خطوةٍ تٌعتبر خرقًا واضحًا لسيادة دولة العراق، وتزعم تركيا ان سبب نشر قواتها داخل الأراضي العراقية، هو تدريب متطوعين عراقيين، وقوات من “البيشمركة” الكردية، من أجل محاربة تنظيم “داعش”، واستعادة مدينة الموصل.الى ذلك، لا بدًّ من التذكير بالمساعدة اللوجستية والعسكرية، التي تلقاها تنظيم “داعش” من قبل النظام التركي، مع بدء عملياته العسكرية في الموصل، بحيث أن مسلحي “داعش” قدموا من الأراضي التركية بإتجاه الحدود العراقية، وما تبع ذلك من تغطيةٍ نارية تركية لتقدم مسلحي “داعش” نحو مدينة الموصل الحدودية مع تركيا، ليقوم بعدها تنظيم “داعش” الاجرامي بتأمين خروج 50 تركيا من الموصل، مقابل اسلحة ثقيلة وصلت الى الدبابات حصل عليها تنظيم “داعش” من قبل الجانب التركي، وهي فضيحة هزت الرأي العام التركي حينها، بعد كشفها من قبل بعض الصحف التركية. بناءً عليه، فإن وصول تنظيم “داعش” الى الموصل تم بمساعدةٍ تركية، وأي كلام تركي حالي عن الرغبة في محاربة تنظيم “داعش” وطرده من الموصل، ليس إلا مناورةً هدفها فرض واقع ميداني، مرتبط بالأزمة السورية. فبعد اسقاط الطائرة الروسية من قبل سلاح الجو التركي، وما تبع ذلك من تصريحات روسية تهدد تركيا بالرد بشكلٍ مباشر اذا ما تكررت الحادثة، خسرت تركيا المبادرة، وأصبح من الصعب على القوات التركية التقدم ولو خطوة واحدة بإتجاه الأراضي السورية، لأنّ ذلك سيعطي الحق لروسيا بإستهدافها ضمن التنسيق مع الحكومة السورية، بما أن روسيا ما زالت تحتفظ بحق الرد العسكري على حادثة اسقاط طائرتها، والذي يمكن ان تستعمله في أي وقتٍ فكر فيه الأتراك بالتقدم باتجاه الأراضي السورية، او اعاقة العمليات العسكرية الروسية.انطلاقًا من هنا، عمدت تركيا الى الذهاب بإتجاه الأراضي العراقية، مستغلةً عدم التواجد الروسي هناك ضمن الغارات الجوية، ولعدم وجود تنسيق بين الحكومة العراقية والجانب الروسي في ما يخص محاربة الإرهاب، إضافةً لعدم قدرة الجيش العراقي على التواجد في تلك المنطقة حاليًا، فالمنطقة العازلة التي تطمح تركيا الى السيطرة عليها انطلاقًا من الأراضي السورية عند منطقة “جرابلس”، وصولًا الى الحدود التركية العراقية المشتركة مع سوريا، لم تعد قابلة للتنفيذ في ظل التواجد العسكري الروسي عبر الغارات الجوية، لذلك فإنّ التواجد التركي العسكري داخل الأراضي العراقية، سيعيد اليها الآمال بتلك المنطقة، مع عدم وضوح الرد الذي ستتبعه الحكومة العراقية بما يخص انتهاك تركيا لسيادتها. لذلك فإن التواجد التركي في العراق يدخل بالدرجة الأولى ضمن سياسة إثبات وجودٍ تركي، بوجه الطرفين، الإيراني والروسي. في غضون ذلك، يأتي التواجد التركي على مقربة من “الموصل” مع التقدم الذي يحرزه الجيش العراقي بالتعاون مع “الحشد الشعبي” داخل الأراضي العراقية، واستعادة العديد من المناطق الإستراتيجية التي كانت تحت سيطرة التنظيم الإرهابي، ومع اقتراب الجيش العراقي و”الحشد” من المعركة الحاسمة في الموصل، وجدت السلطات التركية نفسها مضطرة الى التواجد العسكري في العراق، منعًا لخسارة ورقة الموصل لصالح الجيش العراقي. والجدير ذكره، ان الأطماع التركية في منطقة الموصل على وجه الخصوص قديمة، تعود الى وقت إعلان الجمهورية التركية، ويعد الأتراك الموصل أراضٍي تركية سُلبت منهم. وبالإضافة الى المخاوف التركية من سيطرة الجيش العراقي على الموصل، تبقى “فوبيا” الأكراد مسيطرة على تركيا، فهناك قلقٌ تركي مستمر، عن قيام دولة كردية على حدود تركيا مع العراق وسوريا، وهو ما تعتبره تهديدًا لأمنها القومي. فيكون تواجدها رادعًا لقيام دولة كردية على الأراضي السورية والعراقية، ممكن ان يتم ضمها الى “اقليم كردستان”.وفي سياقٍ متصل، كان هناك موقف لافت للمرجعية الدينية في العراق، حيث طالب المرجع الأعلى آية الله السيد علي السيستاني “حكومة بغداد” بأن “لا تتسامح مع أي طرف ينتهك سيادة البلاد”. واعتبر السيد السيستاني في خطبة الجمعة، والتي ألقاها المتحدث باسمه الشيخ عبد المهدي الكربلائي، انه “لا تمتلك أي دولة الحق في إرسال جنودها إلى أراضي دولة أخرى تحت ذريعة مساندتها في محاربة الإرهاب ما لم يتم الاتفاق على ذلك بين البلدين بشكل واضح وصريح”. مضيفًا أن “الحكومة العراقية مسؤولة عن حماية سيادة العراق وعدم التسامح مع أي طرف يتجاوزها مهما كانت الدواعي والمبررات”، لكن المتحدث باسم السيستاني لم يشر صراحة إلى تركيا”. وفي هذا الكلام يكون السيد السيستاني قد وضع الحكومة العراقية امام مسؤولياتها، التي يجب ان تتحملها، لمنع اي انتهاك لسيادة العراق، وعدم السماح لأي دولة اعتبار العراق ورقة اقليمية تفاوض عليها، او توجه رسائل عبرها. ومن جهته، وجه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عبر وزارة الخارجية العراقية، شكوى رسمية الى مجلس الأمن من قبل الحكومة العراقية حول التوغل التركي. واعتبر العبادي، في بيان صدر عن الحكومة العراقية أن “ذلك التوغل يشكل انتهاكًا صارخًا لأحكام ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وخرقًا لحرمة الأراضي العراقية”.بدورها، ما زالت أنقرة متمسكة بالتواجد العسكري داخل الأراضي العراقية، غير آبهةٍ بالشكاوى العراقية، لأنها على درايةٍ تامة ان خطوتها تتم بمباركةٍ أميركية، ما يعني ان قرارات مجلس الأمن لن تعيق تقدمها، حيث أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن “بلاده لا تنوي سحب قواتها، التي تتمركز في العراق كجزء من مهمة تدريبية للمساعدة في محاربة تنظيم “داعش””. مشيرًا خلال لقاءٍ صحفي الى أن “اجتماعًا ثلاثيًا، بين مسؤولين من تركيا والولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان العراق، سيعقد في 21 كانون الأول القادم”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.