حديث عن إعلامي فقد وظيفته..!

لي صديق عزيز علي،أكبره بعشرين سنة على الأقل، فقد تجاوز الأربعين ربما، أو هكذا يبدو لي، لكن ملامح الشباب ما تزال بادية عليه، على الأقل في ملابسه وتصفيفة شعره.
صاحبي صحفي وكاتب، يتوفر على ملكات ومهارات ممتازة، وتحصيل دراسي جيد، كتاباته لذيذة وتلامس الجرح والهم الوطني، يكتب بلغة يمكن أن يقرأها حتى العميان!
منذ أمد ليس قصيراً أبتعد عن الصحافة مرغما، لأن الصحف قلصت أعداد العاملين فيها لأسباب مالية، وكان هو ممن شملهم التقليص، لذلك فهو متوقف عن الكتابة، ولا يمارس عملا أو نشاطا إعلاميا.
في البداية لم يستسلم، فقد أجرى إتصالات مع اصدقائه وزملائه المقربين، طبعا بحثا عن عمل، وكان يشترط في كل إتصال، أن يكون العمل وفقا لشرطه الوحيد: أن لا يتخلى عن مبادئه! وكان الذين يتصل بهم يعدونه خيرا!
مضت عدة أشهر؛ دون أن يأتي الخير الموعود، وكأي فأر إنساني، قرض صديقي كل مدخراته، التي كانت لا تتعدى ستمئة ألف دينار، أنفق نصفها على علاج والدته، التي يشكل معها وحدها عائلة من شخصين، إذ ليس له أشقاء أو شقيقات، ووالده متوفى، وهو لم يتزوج بعد، برغم أنه وسيم! سألته سبب عزوفه عن الزواج؛ أجابني مستهجنا السؤال: عزوف؟!..من قال لك أني عازف عن الزواج؟!..ها..من قال؟! هل رأيت فراشي الذي أشتعل بي ناراً، وأنا اطارد النوم من شدة تفكيري في يوم غد، وماذا اكل واطعم امي فيه؟! هل رأيتم سنوات عمري وهي تجري بكل همة، وانا لم اتزوج بعد، أنا مثل بقية البشر أحلم بزوجة واحدة فقط، وليس مثل الساسة، حيث تزوج أغلبهم، مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيمانهم؟! بدأت أضلاعه تنضغط بعضها الى بعض، رأيته عدة مرات، وفي كل مرة؛ كنت أراه يزداد شحوبا عن المرة الفائتة، سألته عن شحوبه، قال لي: لم أجد عملا لحد الآن، برغم أني تنازلت عن شرطي، أعني المبادىء، فمرض أمي يشتد، وليس لي وساطة في وزارة الصحة، كي أعالجها خارج العراق، مثل عمات وخالات، وحبايب ومحظيات السادة المسؤولين، قال ذلك وهو يخرج لي ورقة، فيها سجل للمبالغ التي صرفها مجلس النواب لأعضائه، كي يقوموا بعمليات تجميل، معظمها شد بشرة الوجه، وكل ذلك خارج العراق!
رأيته قبل أيام؛ عيناه جاحظتان، وجهه مصفر، قلت له ما بعينيك، قال أجحظها كثرة نظري الى البيوت بيتا بيتا، فأنا احلم ببيت يؤويني وأمي، بيت بحجم غرفة واحدة فقط، من غرف حمايات السادة المسؤولين ! البارحة أمضيت أكثر من ساعة، في اقناع مالك البيت الذي أشغله، أن يمهلني يوما أو بعض يوم؛ كي لا يطردني، علي أن أستطيع تدبير جزء من مبلغ الإيجار!
قبل أن نفترق؛ سألته هل وجدت عملاً؟ أجابني نعم، قلت له: فَرُجَـت والحمد له تعالى، وأين؟!..قال لي: بواب في عيادة طبيب!
كلام قبل السلام: الثنائيات التي لا تلتقي؛ من أمثال الجبن والشجاعة، والتقوى والفجور، والفساد والنزاهة، ثنائيات لا يمكن جمعهما على سرير واحد بالحلال!.
سلام..

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.