عالم وقح ينظر بعينٍ عوراء

بعيداً عن ألمِ العراق المبتلى بالأزمات، وإيغال المتاجرين بدماءِ شعبه ظلماً وعدواناً، شهد العالم في المدةِ الماضية اعتداءات إرهابية متعددة من جملتِها بحسبِ تداخل الأحداث الخاصة بموضوعِ بحثنا، الاعتداء الانتحاري الذي استهدف منطقة ( برجِ البراجنة ) في ضاحيةِ بيروت الجنوبية، الذي سبق أحداث باريس بيومٍ واحد، موقعاً عشرات الضحايا من مختلفِ الطوائف اللبنانية في هذه البلدةِ التي تضم مخيماً يؤوي اللاجئين الفلسطينيين. ثم ما لبث أنْ امتد بعد أيامٍ قليلة نهم ماكنة القتل البشرية بمقاصدها الطائفية والعنصرية إلى غربي القارة السمراء ليطول هجوم إرهابي بوساطةِ تفجير انتحاري حشداً من المشاركين في مسيرةٍ دينية لمناسبةِ أربعينية الإمام الحسين عليه السلام بالقربِ من مدينةِ ( كانو ) شمال شرقي جمهورية نيجيريا الاتحادية، التي تعد أكثر الدول الأفريقية من ناحيةِ الكثافة السكانية، فضلاً عن منزلتِها العالمية، بوصفِها سابع أكبر بلدان المعمورة اكتظاظاً بالسكان.
إنَّ ما مر ذكره من أحداثٍ، لم تفصح عن جديدٍ بالنسبةِ للمتابعِ الفطن لسياساتِ الدول الإمبريالية بقيادة الإدارة الأميركية، التي ما انفكت عن إيواءِ قواعد الإرهاب، فضلاً عن دعمِها لوجستياً وسياسياً، بيد إنها أماطت اللثام عما خفي عن بعضِ الواهمين بصدقِ نيات هذه الأنظمةِ عبر جلبابها الديمقراطي في إزاحةِ عقدة اللون والعرق والمعتقد فكراً وسلوكاً من الثقافةِ العنصرية لمجتمعاتِها المرتكزة على عقدةِ تفوق زائفة، أفرزتها على مدى عقود طويلة تراكمات رواسب اجتماعية متأتية من ميلِ زعامات هذه البلدانِ السياسية إلى تحقيقِ التفوقِ الحضاري على حسابِ حريات الشعوب واستقرارها.
إنَّ ردَ الفعل الدولي على الهجماتِ الإرهابية، التي تعرضت لها شعوب العالم الثالث في المدةِ الماضية، لم يكن بالمستوى الذي يعكس تحرك الضمير الإنساني المفترض مع مختلفِ النكبات والكوارث، التي تتعرض لها المجتمعات البشرية. إذ لم يرتقِ عنفوانها إلى سعةِ وقفة المجتمع الدولي التضامنية مع الشعبِ الفرنسي وحكومته، في أعقابِ هجمات باريس بعد أنْ جعلت منها تحليلات الإدارات الغربية السياسية وتقارير وسائلها الإعلامية حدثاً مهماً بالاستنادِ إلى النظر إليها بوصفِها جريمة ترقى في خطورتِها وضخامة بعدها الاستراتيجي المتعلق باستهدافِ دولة عظمى إلى مستوى أحداث 11 سبتمبر عام 2011 م، التي ما تزال الشكوك تثار حولها. إذ أنَّ فرنسا لم تواجه محنتها بمفردِها بخلافِ ما يجري في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة وأفريقيا وغيرها من البلدان، التي ارتبط العدوان عليها بمزاجِ اللاعبين الكبار في الساحةِ الدولية.
لا أغالي في القولِ إنَّ الإمبرياليةَ العالمية، التي تسببت سياساتها بإفقارِ بلدان العالم الثالث، عبر التخطيط المنظم لنهبِ ثرواتها الطبيعية، لأجلِ إضعافها وإذلالِها وإبعادها عن ناصيةِ التطور الإنساني والتقدم التقني، لا يمكن أنْ تنأى عن ثوابتِ نهجها العنصري، الذي ألزمها التعامل مع أزماتٍ بهذا الحجمِ عبر بضع بيانات استنكار خجولة تتضمن عبارات باهتة، لا تسمن ولا تغني من جوع، فالعالم الغربي لم يتأثر بجريمةِ سبايكر أو الإرهاب الذي يضرب مدن العراق منذ أكثر من عشرِ سنوات، وعدم اكتراثه بما أفرزته حادثة برجِ البراجنة من ضحايا وخراب، بالإضافةِ إلى عدمِ إمكانية رقي هذا العالم المتجبر بموقفٍ إنساني حيال واقعة راديسون بلو المالية أو تفجير كانو النيجيرية أو جرائم الإبادة الجماعية في اليمن إلى مستوى ما فعله بصددِ أحداث هجمات باريس من تفاعلاتٍ وجدانية وصلت مدياتها بسرعةِ البرق إلى محيطِنا الإقليمي، الذي يتناسى على الدوامِ مجازر الإرهاب الدموية، التي تحدث باستمرارٍ في العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين، فلا دموع تذرف، ولا برقيات مواساة لشعوبِها، ولا أعلام دول تنكس، ولا تعاطف مع أسرِ ضحايا الهجمات الإرهابية وأصدقائهم، ولا أعلام وطنية لدولٍ منكوبة يرفعها الأعراب، فضلاً عن أبناءِ جلدتنا في مواقعِ التواصل الاجتماعي، مثلما حصل في اعتداءاتِ باريس الإرهابية.
أي وقاحة هذه؟!، التي تجعل العالم يضج بالنحيبِ حيال ضحايا باريس، ويلزم صمته حيال الإرهاب بدوافعِه العنصرية والطائفية، الذي انتجته مفاقس التطرف المدعوم دولياً.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.